الأربعاء 5 أغسطس 2020

أبراهام السرفاتي.. اليساري المغربي الذي خُلق ليُنفى ويُسجن

ذاكرة الألم والأمل.. يساريون قضوا بالسجن أو الاختطاف والنفي

بصم اليساريون المغاربة باختلاف تنظيماتهم، على تجربة سياسية يستحيل أن يتخطى كاتب التاريخ أو قارؤه فصولها المطبوعة بلغة التضحيات الجسيمة والاعتقالات والاغتيالات والنفي والتهجير.. هي تجربة تنبعث منها رائحة الأقبية النتنة، وأصوات مفاتيح الزنازين الغليظة، وآلام البطون الفارغة، كما تنبعث منها إرادة الحياة، التي كانت تشد أغلب من عاشوها إلى كتابة “المستقبل” بقلم الأمل في الأفضل، وإلى رسم لوحة القادم بألوان تنصف قضية الإنسان المغربي.

وباختلاف هوامش نشاطهم، سواء تلك التي تستحضر الخطوط الحمراء أو تلك التي ترى بالأحمر كل الخطوط، من أقصى الراديكالية السياسية إلى أقصى الإصلاحية، ومن العمل الثوري السري والتخطيط لقلب موازين الحكم إلى النشاط العلني الهادف إلى الإصلاح، سجّل التاريخ أسماء كثيرة لمناضلين قضوا نتيجة إيمانهم بالمواقف، في زمن “الجمر والرصاص” الذي لم يؤمن إلا بلغة البقاء للأقوى..

في هذه الحلقات، وطيلة أيام شهر رمضان، سترجع جريدة “أمَزان24” معكم أسماء “استشهدت” في السجون، أو قضت بها سنوات طويلة لتخرج بأعطاب في الجسد والذاكرة، وأسماء أُجبرت على توديع الوطن لتراقبه من المنفى.

الحلقة الثانية: أبراهام السرفاتي.. اليساري المغربي الذي خُلق ليُنفى ويُسجن

لم يكن أبراهام ألبير السرفاتي، اليهودي المغربي والشيوعي الذي حملته أفكاره إلى السجون والمنافي، من هؤلاء الذين يعشقون عيشة الترف، ولا ممن تستهويهم حياة الدواوين الوزارية والشهرة. وعلى الرغم من أن كل السبل كانت متاحة أمامه ليعيش في رغد، إلا أنه اجتاز مسيرة أخرى حيث الموت يطوق الأحلام، وحيث القيد والزنزانة، مسيرة امتدت عبر عهدين وملكين، ناهض الأول فيهم فأدى ضريبة مضاعفة، وآمن بإمكانية الإصلاح في عهد الثاني، فنال “قبرا” في تربة بلاده المغرب، وهو أقصى ما طمح إليه في نهاية مشواره.

حكاية السرفاتي، الاسم الخالد في ذاكرة اليسار الجذري والأب الروحي لمنظمة “إلى الأمام” والباني الأول لـ “ألوية الثورة”، ستضرب مواعيد كثيرة مع الاعتقال لمرات عديدة، أقصاها قضى به 17 سنة خلف الجدران الإسمنتية، والنفي من المغرب لأكثر من مرة، والتجريد من الجنسية المغربية، التي تشبث بها إلى آخر رمق، وظل مطالبا بها رغم أنف الذين أسقطوها عنه.

وعندما اشتعلت الصراعات مع الدولة، التي قررت أن تضع حدا لما سمي باليسار الجديد الراديكالي، كان اسم السرفاتي على رأس اللائحة، باعتباره من مؤسسي “إلى الأمام”، وطال الاعتقال والتعذيب حتى عائلته وأخته للإفصاح عن مكانه عندما قرر اللجوء إلى السرية التي قضى بها سنتين، وهو الذي وصفه ضباط التحقيق بـ “علبة الأسرار”، والتي حاول إخراج ما فيها بالتعذيب.

أطلق أبراهام اسم “المنطقة المحررة” الوحيدة في المغرب على السجن المركزي بالقنيطرة، لأنه استطاع فيه أن يلتقي بـ “الرفاق”، وأن يستمر في الحلم ولو من العالم الموازي، ورغم طول سنوات السجون، إلا أنها ظلت في ذاكرته خفيفة مقارنة بثلاث سنوات قضاها بدرب مولاي الشريف المعتقل السري، حيث كان الجلاد يسعى إلى “تمزيق” جسده بحسب شهادات الرفاق.

فهو مناضل شرس بإحساس مرهف وحس إنساني عظيم، وهو مهندس منجمي تعاطف مع العمال وانتصر لقضيتهم، وهو اليهودي المغربي الذي رفض الصهيونية، وناضل من أجل فلسطين القضية والأرض، واعتنق هموم الكدّاح والمحرومين، إلى أن سار منهم فأدى ضريبة “انتحاره” الطبقي من أعلى الهرم إلى أسفله.

هرب من محاكم التفتيش إلى الحلم بالثورة

Political Prisoner Abraham Serfati Arrives at Orly Airport : News Photo

في 16 يناير من سنة 1926، وحين كانت بنادق المقاومة تطلق البارود في وجه المستعمر، ازدان فراش عائلة السرفاتي بطفل ذكر اختاروا له من الأسماء أبراهام، والأسرة كانت أندلسية سفاردية يهودية من مدينة طنجة شمال المغرب، حيث أن أجداده هربوا من محاكم التفتيش الاسبانية.

درس في ثانوية ليوطي بالدارالبيضاء وحصل على شهادة البكالوريا، ثم التحق بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، وتخرّج منها مهندسا، ليبدأ عمله في الخمسينات بمناجم الفوسفاط، ليمارس مهامه كمهندس للمعادن ومديرا لورش الأبحاث المعدنية بالأطلس المتوسط سنتي 1949 و1950. ومباشرة بعد الاستقلال تقلّد منصب مدير ديوان كتابة الدولة في الإنتاج الصناعي والمعادن سنة 1958، ثم مدير المعادن والجيولوجيا من يناير 59 إلى يونيو 1960، وفي الوقت ذاته كان مكلفا بمهمة في ديوان الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد الوطني في حكومة عبد الله إبراهيم.

SERFATY_ARRIVAL

أخذه مساره النضالي إلى الطرد من العمل في المناجم، ليختار مهنة التدريس التي كانت تمارس سحرها على شخصية أبراهام السرفاتي، إذ سيعمل كأستاذ باحث بالمدرسة المحمدية للمهندسين، بالإضافة إلى إدارة “مشروع المعادن بالقسم النهائي، وتدريسه مادة التكنولوجيا بكلية العلوم الاقتصادية بين 1964 و1965، قبل أن يصبح مديرا للدراسات بين 1971 و1972 بالمدرسة المحمدية للمهندسين، إلى جانب تأسيسه ونشاطه في مجلة “أنفاس” التي كانت تستقطب الأصوات المعارضة وكانت منبرا لمن لا منبر له.

نضال وزواج في “الزنزانة”

منذ حداثة سنه التحق أبراهام السرفاتي بشبيبة الحزب الشيوعي بفرنسا سنة 1944، ثم إطارا في الحزب سنة 1945، واستمر في نضاله بالحزب من أجل الاستقلال وبعده، إلى حين تفرقت به السبل مع الحزب، ليستقيل منه كما فعل كثيرون من الذين جرّتهم رياح الثورة التي كانت تهب من الشرق، فأسسّ إلى جانب أربعة رفاق آخرين منظمة “إلى الأمام” يوم 30 غشت 1970، لتنطلق مسيرة التعذيب والنفي في حق جيل حلم بوطن يتسع للجميع.

أول مرة عرف فيها السرفاتي السجون، كانت يوم ألقي عليه القبض في أبريل 1950، وحكم عليه بشهرين سجنا، ثم ستتكرر بعد ذلك حكايته مع السجون والنفي، في شتنبر 1952 اعتقل للمرة الثانية، ليتم نفيه في دجنبر من العام نفسه إلى فرنسا، ثم أعيد اعتقاله في زمن ما بعد الاستعمار، في دجنبر 1962 ومارس 1965، وفي يناير 1972 وفي نونبر 1974، إذ ذاق كل أصناف التعذيب النفسي والجسدي في درب مولاي الشريف، قبل أن يحاكم بالسجن المؤبد ضمن مجموعة 77 الشهيرة في 15 نونبر 1977.

خلال سنوات السجن، ومن “المنطقة المحررة” كما كان يسمي سجنه، سيتزوج السرفاتي المرأة الفرنسية كريستين دور، ليسمح لها بزيارته، وهي المرأة القوية التي رافقته في مسيرته، وكانت متنفسه ومتنفس المعتقلين السياسيين بالخارج، ويحكي المعتقلون أنه كان يوم استثنائيا بالسجن المركزي بالقنيطرة..

كفاح من أجل قبر في الوطن

مشبال: أبراهام السرفاتي عاش حياته الخاصة بعيدا عن واقع البلاد

ورغم إطلاق سراحه، تحت الضغط الداخلي والخارجي، بعد 17 سنة من الاعتقال، مع ما يحمله الرقم من ويلات التعذيب والقهر والنيل من القناعة، إلا أن السلطة قررت أن الوطن لا يتسع له، ليتم نفيه مرة أخرى إلى باريس في 13 شتنبر 1991 تحت ذريعة أنه برازيلي الجنسية، وهو ما رفضه السرفاتي وظل متشبثا بوطنيته وغيرته على المغرب.

سيعود أبراهام السرفاتي إلى التدريس بفرنسا والعمل على إصدار مجلة إلى الإمام الجديدة، إلى أن صعد الملك محمد السادس إلى الحكم، ليقوم بإنصافه وإرجاعه إلى المغرب، ومده ببطاقته الوطنية وجواز السفر وسكن، وصفته التي فقدها لأكثر من ثلاثين سنة كمهندس منجمي.

وبدون أي أحقاد أو ضغائن أو رغبة في الانتقام، آمن السرفاتي بأن المغرب بإمكانه أن يتغير وأنه يمضي في الطريق السليم، وفي يوم 18 نوفمبر 2010 سيضع أبراهام ألبير السرفاتي خلفه ذكريات ثقيلة بسنوات الاعتقال والتعذيب والنفي، والمعارك التي خلدت اسمه كوطني صادق لم يهادن إلا ليرتاح في قبره.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *