الخميس 6 أغسطس 2020

استعارات السلطة

 يوسف أقرقاش

أذكر أن ذلك حدث في الثالثة أو الرابعة من عمري. كُنت أستلقي وإخوتي كأعواد الثقاب. وكانت والدتي، قبل خلودها للنوم، تُلْحِفُنا ببعض اللحاف المصنوعة يدويا من الصوف. ثقل هذه اللحاف لم يمنعنا من ركل بعضنا البعض تحت الفراش. كانت والدتي لا تجد وسيلة لِثَنْينا عن ذلك غير تخويفنا بما يزال عالقا في ذاكرتها من خرافات الأجداد وأساطيرهم. كانت تقول لنا إن كل من يتحرك في الفراش أو ينبس ببنت شفة، سيُختطف من طرف “مَزَّرْ-فُوسْ”. إنه هناك خلف الجبل. يستطيع أن يمدّ يده، من هنالك، ليأخذ أي واحد منا.

كان البيت الذي ننام فيه، والمنزل ككل، من الطين. تشدّ سقفه أعمدة من شجر. وكان في جداره منفذٌ صغير نحو الخارج. كان خيالي يُصور لي أن وَسَعَهُ كافٍ لتمتدّ منه يد “مَزَّرْ-فُوسْ”. فكنت أُلصق رأسي بركبتي تحت الفراش، وأنتظر أن يتسلل ضوء الصباح، من شقوق الباب أو من المنفذ إلى البيت.

كانت هذه قصتي، وأنا طفل، مع يد ذاك الكائن المتوارى خلف الجبل. وعندما كبرت، عرفتُ أن “مَزّرْ-فُوسْ” مجرد خرافة، وصارت لدي الشجاعة لأنام وأتحدث وأُبَلْبِل كيفما أشاء. شيء واحد فقط لا أستطيع القيام به، حتى ولو في واضحة النهار. لا أستطيع إلى الآن أن أقترب حيث تمتد يد السلطة، إلى درجة أتساءل فيها دائما إذا ما كانت السلطة قد استعارت حقيقةً يد “مَزَّرْ-فُوسْ؟ وحتى إذا أَجَزْنا هذه الاستعارة، فالبون شاسع بينهما. لم تكن يد “مزر-فوس” لتمتد لي إلا لسبب معقول، وهي الجَلَبَة التي كنت أحدثها ليلا، وأمنع النوم من أن يداعب مُقلتيْ والدتي. وحتى في هذه الحالة، ما كانت يده لتمتدّ لي لو كان المنفذ الموجود بجدار البيت مُحْكَمَ الإغلاق، لكن يد السلطة “تأتيني من كل صَوْب”، ولا تميز بين الليل والنهار، وليس لسبب معقول!

لا يوجد في المؤلفات السياسية الكلاسيكية ما يربط السلطة بأطراف الجسد، فأغلبها يتصور السلطة كعلاقة بين طرفين، هما الآمر والمأمور، أو الحاكم والمحكوم، لذلك غلب على استعارات السلطة، خصوصا في محاورات أفلاطون، صور الطبيب والمريض، الربّان والمسافر، المعلم والتلميذ. أضافت الرواقية فيما بعد، مع Sénèque، صورة  الأب والإبن. وزاد عليها العرب صورة الراعي والرعية. تشير هذه الاستعارات، بشكل عام، إلى معنى إيجابي للسلطة كوسيلة للإرشاد والقيادة والتوجيه، غير أنها معانٍ تُستقى مما “يُراد من السلطة”، أي مما يُنتظر منها، وليس من السلطة كواقع أو كما تمارس فعلا.

لقد حاول الفلاسفة والمهتمون بشان السلطة تغيير هذه النظرة المثالية إلى السلطة، حينما ربطوها بمعان الصراع والقوة والتحكم، فعبروا عن ذلك باستعارات أخرى؛ “الثعلب والأسد”، “الحمل والذئب”، وغيرها من الأوصاف. لو ذهب هؤلاء أبعد مما توحي به هذه الاستعارات، لكشفوا عن حقيقة السلطة في السلوك الإنساني نفسه. تُفيد استعارة “الثعلب والأسد”، التي اشتهر بها ميكيافيلي، كون السلطة صراع على الهيمنة والتحكم، بمعنى أن السلطة احتواء وإخضاع وانقضاض. وهذا لا يتحقق إلا إذا كان ما نريد الانقضاض عليه أو إخضاعه أو احتواءه في متناولنا.

الأصل في عبارة “متناولنا” هو الفعل نالَ، أي أخذ وأمسك. ومنه فالعبارة تعني ما يوجد في قبضة اليد، أي أنّ التحكم والانقضاض يمارس باليد؛ اليد هي التي تقبض وتتحكم، وإذا لم تُحكم قبضتها وأُفلت منها المقبوض، فقد أُفلت من الجسد ككل. لذلك ليس صدفة أن نُعبر عن واقع السلطة بالقول: “قُبض عليه”، “صار في قبضتهم”، “في قبضة السلطة”،  “في أيدي الشرطة”، “بين يدي القضاء”، “يده طويلة”، “الإمساك بزمام الأمور”، “عدم الإفلات من العقاب”، وغيرها من التعبيرات.

إذا كنا نرمي بكل هذه الأوصاف التعبير عن حقيقة السلطة، فالاستعارة الحقيقية للسلطة هي اليد، وليست أي استعارة أخرى. وحتى تأمل حالات الاعتقال يفيد المعنى ذاته؛ إن تصفيد اليدين إلى الخلف لمنع أي مقاومة، والامساك بالمعتقل من معصمه ورقبته، هي الصورة الحقيقية للسلطة كقبضة وتحكم، فهي الصورة نفسها للفريسة بين مخالب وأنياب مُفترسها.

لا تشير استعارة اليد إلى قوة السلطة وحدها، وإنما تشير أيضا إلى ضعفها ووَهَنِها، وهو ما نعبر عنه بالقول: “بدأت الأمور تنفلت من يديه”، “لا يمسك بزمام الأمور”، “لا يحكم قبضته”، “لا يتحكم في سير الأمور”. تشير هذه التعابير هي الأخرى، حتى وإن كانت تعبر عن وهن السلطة وضعفها أو غيابها، إلى الصلة الوطيدة بين السلطة واليد.

لا تقتصر استعارة اليد على مجال السلطة وحده، بل هي حاضرة أيضا في المجال الديني، وهو ما تعبر عنه بعض الآيات من قبيل؛ “تبارك الذي بيده الملك”، “قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه”، “يد الله فوق أيديهم”. حتى في المجال الديني إذن، صورة الألوهية لاتكتمل إلا إذا كان المُلْك في قبضة الله وبين يديه، لا ينافسه فيه أحد.

لا ينتبه أغلبنا إلى الصلة الوطيدة بين القبضة والسلطة والمُلْك، فيستسهلون تكرار بعض التعابير، التي لا تراعي حدود السلطة ولا حرمة الدين، من قبيل وصف الخليفة أو السلطان ب”المُظَفّر بالله”. الأصل في “مظفر” هو الفعل ظَفِر، أي نال. وهو نفس المعنى الذي نشير إليه عادة بالقول: “عاد ظافرا”، وفي الصورة المقابلة لها “لم يظفر بشيء”. غير أن النيل أو الظفر هنا لا يرتبط أساسا باليد وإنما بأظافرها، فالظفر بالشيء غَرْزُ الأظافر فيه، وهو المعنى الحقيقي للسلطة كانقضاض.

يُستفاد من كل هذه الصور التي تربط السلطة بالانقضاض والتحكم (باليد والأظافر) أن الإنسانية مهما ابتعدت عن أصلها البيولوجي، فلا زالت أنماط عيش التجمعات البدائية عالقةً في لَاوَعْيِنَا الجَمْعي، خاصة ما ارتبط منها بأنشطة القنص وتوزيع الطعام. وإذا كانت استعارات اليوم في مجال السلطة تعبر فقط عن الميل إلى الاجتماع والتعايش وتنظيم شؤون الناس تنظيما عقلانيا، بعيدا عن البواعث البيولوجية لدى الإنسان، فالسبب في ذلك هيمنة استعارة الرّبان والطبيب والمعلم والراعي في الفكر السياسي. والقفز على هذه الاستعارات، بالقول إن السلطة تحكم وانقضاض، ليس بالأمر الهَيّن، كما ليس هَيّنا أن نعرف كيف انتقلت يد “مَزَّرْ-فُوسْ” من مجال الميثولوجيا إلى مجال السلطة والثيولوجيا!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *