الجمعة 7 أغسطس 2020

بونعيلات.. مقاوم تنكر له “مغرب الاستقلال” وطارده حكم الإعدام

ذاكرة الألم والأمل.. يساريون قضوا بالسجن أو الاختطاف والنفي

بصم اليساريون المغاربة باختلاف تنظيماتهم، على تجربة سياسية يستحيل أن يتخطى كاتب التاريخ أو قارؤه فصولها المطبوعة بلغة التضحيات الجسيمة والاعتقالات والاغتيالات والنفي والتهجير.. هي تجربة تنبعث منها رائحة الأقبية النتنة، وأصوات مفاتيح الزنازين الغليظة، وآلام البطون الفارغة، كما تنبعث منها إرادة الحياة، التي كانت تشد أغلب من عاشوها إلى كتابة “المستقبل” بقلم الأمل في الأفضل، وإلى رسم لوحة القادم بألوان تنصف قضية الإنسان المغربي.

وباختلاف هوامش نشاطهم، سواء تلك التي تستحضر الخطوط الحمراء أو تلك التي ترى بالأخضر كل الخطوط، من أقصى الراديكالية السياسية إلى أقصى الإصلاحية، ومن العمل الثوري السري والتخطيط لقلب موازين الحكم إلى النشاط العلني الهادف إلى الإصلاح، سجّل التاريخ أسماء كثيرة لمناضلين قضوا نتيجة إيمانهم بالمواقف، في زمن “الجمر والرصاص” الذي لم يؤمن إلا بلغة البقاء للأقوى..

في هذه الحلقات، وطيلة أيام شهر رمضان، ستُرجع جريدة “أمَزان24” معكم أسماء “استشهدت” في السجون، أو قضت بها سنوات طويلة لتخرج بأعطاب في الجسد والذاكرة، وأسماء أُجبرت على توديع الوطن لتراقبه من المنفى.

الحلقة الرابعة عشرة: بونعيلات.. مقاوم تنكر له “مغرب الاستقلال” وطارده حكم الإعدام

سعيد بونعيلات هو الاسم الحركي الذي عرف به المقاوم محمد أجار، وهو اسم لا تخطئه العين، كلما تم استحضار بطولات جيش التحرير والحركة الوطنية في مقاومة الاستعمار، كما لا يمكن إغفاله عند استحضار هؤلاء الذين تنكر لهم “مغرب الاستقلال”، والذين وجدوا أنفسهم محط المتابعات وأحكام الإعدام غداة الاستقلال.

بونعيلات من المقاومين الذين بذلوا الكثير في سبيل مغرب حر مستقل، وحتى عندما تقرر أن البلاد نالت استقلالها، كان سعيد من ضمن هؤلاء الذين آمنوا بأن طريق التحرير مازال طويلا، وبأن وضع السلاح هو آخر شيء يمكن أن يقدم عليه المقاومين.

قاده إيمانه إلى سراديب الاعتقال، وتكرر اسمه أكثر من مرة في أحكام الإعدام، ونجا من الموت بأعجوبة، رغم أن ذلك الماضي المليء بالشجون وذكريات من رحلوا ظل حاضرا معه ويطارده إلى حين وفاته، وهو الذي جرّب معنى رفقة السلاح، وكابد حياة السرية لسنوات وعاش المنفى، واكتوى بنيران التعذيب..

استطاع أجار أن يلعب أدوار محورية في الدفاع عن بلاده، متنقلا بين المدن المغربية شمالا وجنوبا، واستطاع أن ينسج علاقات متينة مع المناضلين الذين كانوا يعرفون قيمة الرجل لحظات الشدة، وهو الذي شكل إلى حين وفاته ذاكرة حية لأحداث وبطولات كثيرة، كما كان شاهدا على ماضي المقاومة المشتركة بين الشعبين المغربي والجزائري، ويكفيه في ذلك أنه كان صديقا لأبرز قادة جبهة التحرير بالجزائر، وصديقا مقربا من رئيسها آنذاك أحمد بنبلة.

قادما من تافراوت بمنطقة سوس، استطاع بونعيلات أن يُخّلد اسمه وأن يترك أثره في الحركة الوطنية، من حزب الاستقلال إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومن تنظيم المظاهرات والقيام بالعمليات المسلحة التي أرهقت المستعمر، إلى النضال من أجل تحصين مكتسبات المغرب من الاستقلال، عاش بونعيلات متشبعا بقيم النضال الذي لم يكن يرجو منه شهرة ولا مناصب بل كان يعتبره “واجبا وطنيا”.

اختزل بونعيلات الكلام في أحد الحوارات قائلا “عندما اخترنا سبيل الكفاح المسلح ضد الاستعمار، لم نكن نسعى إلى امتلاك السلطة وتسيير الشأن العام، بل إننا لم نكن نريد أن تسلط علينا الأضواء، لقناعتنا بأن ما نقوم به يدخل في إطار الواجب الوطني، لكن ما إن حصلنا على الاستقلال، حتى فوجئنا بالخونة يتسلمون مقاليد الأمور، ونتحول نحن إلى متهمين، وبخلاصة وجدنا مشروعنا يؤول إلى الفشل، لقد خسرنا وانتصر الخونة”.

رحلة المقاومة من تافراوت إلى البيضاء

في منطقة أمانوز بتافراوت إقليم سوس رأى محمد أجار النور، وسيرافقه اسم سعيد بونعيلات طيلة حياته. وهو يتحدث عن تاريخ ولادته، يقول بونعيلات في أحد الحوارات مع مجلة زمان “لست متأكدا من تاريخ الميلاد بشكل دقيق، لأن تواريخ الازدياد لم تكن توثق في تلك الفترة، لكنني أرجح أن أكون رأيت النور سنة 1920”.

في المنطقة نفسها عاش محمد أجار طفولته الأولى في وقت كانت آلة الاستعمار تفتك بالمقاومين وتبسط سيطرتها على البلاد، وحين بلوغه سن العاشرة، قرر بونعيلات السفر مع والده من القرية نحو مدينة الدار البيضاء ليبحث عن عمل، فاشتغل إلى جانب والده في محل لبيع “الشفنج”، وكان بين الفينة والأخرى يمارس مهنا أخرى بسيطة، إلى أن تمكن من امتلاك شاحنة للنقل أصبحت مورد رزقه.

بمدينة الدار البيضاء سيختار بونعيلات قدرا آخرا، إذ ستقوده رغبته في الاستقلال، كما أبناء جيله، إلى الانخراط في الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة للكفاح ضد المستعمر، حيث تم في بداية الأربعينات استقطابه من طرف بناصر حركات والفقيه برادة إلى صفوف حزب الاستقلال، وسيشارك في عدد من اجتماعاته في إحدى ورشات النجارة بدرب بنجدية، كما قاد أول مظاهرة في الدار البيضاء تأييدا لما جاء في وثيقة الاستقلال.

من أكثر المحطات التي عاشها بونعيلات، والتي ساهمت في اعتناقه العمل المسلح ضد المستعمر، توجد مجزرة “ساليغان” سنة 1947، وقمع الإضراب التضامني مع الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد سنة 1952، إضافة إلى استبداد المحتل ورفضه الاستجابة لمطالب الحركة الوطنية الداعية إلى استقلال المغرب.

العمل الفدائي..

التحق سعيد بونعيلات سنة 1952 رسميا بمجموعة منظمة في إطار المقاومة المسلحة بالدار البيضاء بطلب من القيادي الاستقلالي عبد السلام بناني، وكان التحاقه هذا مرحلة فارقة في حياته، إذ كان من ضمن أعضاء القيادة المركزية للمقاومة المسلحة رفقة الزرقطوني وأمنصور وغيرهم، وأصبح دوره حاسما في عدد من العمليات الفدائية التي نفذت ضد المستعمر، من قبيل تفجير قطار الدار البيضاء الجزائر سنة في 3 نونبر 1953، وتفجير السوق المركزي في 2 دجنبر من السنة نفسها، كما سيقوم بأدوار طلائعية على مستوى تأطير المقاومين وتوفير السلاح لهم في شتى ربوع البلاد، ومنها الشمال الذي لجأ إلى الاختباء فيه بعدما أصبح مبحوثا عنه..

استمر بونعيلات في عمله وانخراطه في صفوف جيش التحرير، وهنا ستنقلب المعادلة من جديد، إذ سيصبح هؤلاء الذين قاوموا الاستعمار في قفص الاتهام، بينما سيصير من كان المقاومون يرون فيهم “خونة” قريبين من السلطة، وسيستفيدون من الامتيازات، في وقت كان مازال فيه طموح التحرير قائما.

يقول بونعيلات في حوار مع مجلة زمان : “توجهت إلى القبلة وقلت للإخوان: أقسم بالله إنهم إما سيدخلوننا إلى السجن أو سيقتلوننا بعد الاستقلال. وكان حدسي صائبا؛ فهذا ما حصل، تفاوض الفرنسيون مع محمد الخامس واشترطوا عليه ألا يتم إبعاد أولئك “الخونة” الذين كانوا يتعاملون معهم. أما نحن فأصبحنا مستهدفين من خلال حل جيش التحرير”.

سر لقب “سعيد بونعيلات”

يوضح محمد أجار سبب تسميته بهذا الاسم في حوار له قائلا “كنت أضع في قدمي “نعالة” تقليدية من النعال التي كانت موجودة آنئذ، اشتهرت بها حتى أصبح بعض الإخوان يلقبونني بهذه الصفة “بونعيلات”، وكل ما جاء أحدهم ليبحث عني في أمر ما، يسأل صاحب دكان اعتدت على التردد عليه “واش جا بونعيلات؟”. أما سعيد فهو أحد الأسماء الحركية التي اتخذتها عندما انخرطت في تنظيم المقاومة. كان تنظيمنا محكم السرية، وذلك لحماية التنظيم من أن تكشفه السلطات الاستعمارية ويسهل تفكيكه”.

ويضيف في الحوار نفسه، “عندما التقيت محمد الزرقطوني أول مرة كان اسمي حمو، ولم يكن يعرفني بغير هذا الاسم، أو بالرقم الذي كنت أحمله وهو رقم 27، لأننا كنا نتخذ أرقاما تدل علينا إلى جانب الأسماء الحركية. محمد منصور هو الوحيد الذي كان يعرفني باسمي الحقيقي عندما انخرطت في تنظيم المقاومة أول الأمر، بالنظر إلى علاقاتنا السابقة في خلايا حزب الاستقلال. ثم عندما لجأت إلى تطوان سنة 1953، بعد انكشاف أمر الخلية التي نفذت عملية السوق المركزي بالدار البيضاء، حملت اسم سعيد. بقيت معروفا بهذا الاسم فضلا عن لقبي القديم، واشتهرت به؛ سعيد بونعيلات”.

مطاردة حكم الإعدام..

تبنى بونعيلات كما الكثير من المقاومين الرأي القائل بأن المغرب لم ينل بعد استقلاله كاملا، فرفض أوامر القصر بوضع السلاح والانخراط في الجيش الملكي، وعندما شب الخلاف في أوساط حزب الاستقلال، انخرط بونعيلات في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وفي التنظيمات السرية الموازية له، وبعد فترة غير طويلة من الاستقلال، وجد بونعيلات نفسه أمام حكم الإعدام سنة 1963، بتهمة التآمر ضد ولي العهد الحسن الثاني، إلا أن هروبه إلى الجزائر حال دون اعتقاله، قبل أن يصدر حكم ثاني بإعدامه سنة 1965 من طرف المحكمة العسكرية بمكناس فيما عرف بقضية “شيخ العرب”.

في الجزائر، استمر بونعيلات في تأطير اللاجئين المغاربة، إذ كان لا يزال من أفراد قيادة المنظمة السرية، وهناك تعرّف على قادة جبهة التحرير الجزائرية، وربط صداقته ببنبلة في ما بعد بشكل متين، إذ يقول عنه: “كان يعطيني سيارة الرئاسة الجزائرية، وكان قد أصبح صديقي جدا آنذاك، وكنا نلتقي سويا خلال الحرب في منطقة الناظور”، وعند الانقلاب على بنبلة وخوفا من أن يتم تسليمه مع تغير المعطيات، سيغادر إلى اسبانيا ليستقر هناك..

سيستمر في التخفي باسبانيا، إلى أن تم اعتقاله من طرف مخابرات مدريد في يناير 1970، وكان يقطن معه آنذاك أحمد بنجلون، وسيتم تسليمه إلى المغرب، حيث سينقل معصب العينين، ليتعرض لتعذيب شديد إلى درجة كان يطلب الموت فلا يجده، ورغم تكليف قيادة الاتحاد أبرز المحامين للترافع عنه، سيحكم عليه وللمرة الثالثة بالإعدام، قبل أن يتم وضعه في سجن القنيطرة، الذي بقي فيه إلى حين صدور عفو في حقه بتدخل من المقاوم حسن صفي الدين، الذي خاطب الحسن الثاني بالقول: “لن أرتدي السلهام مادام سعيد بونعيلات في السجن”.

حرية منقوصة..

غادر بونعيلات السجن وتم استقباله من طرف الآلاف من الحشود بمجموعة من المدن، حيث كانت الجماهير مازالت تؤمن باسم بونعيلات كأبرز أسماء قادة المقاومة، وبهذا سينال بونعيلات حرية ظل يعتبرها غير كاملة بسبب رؤيته المآل الذي وصله المغرب بعد سنين من الكفاح ضد المستعمر..

بعدها تحسنت علاقة بونعيلات بالقصر، ونال عدد من التوشيحات، إضافة إلى أنه كُرم من طرف المندوبية السامية لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير، وتم تعينه عضوا بالمجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وانتخب ضمن أعضاء مكتبه ولجنته الدائمة، قبل أن يتولى رئاسة المجلس، وهو المنصب الذي ظل يشغله إلى أن سلم الروح إلى بارئها عن عمر يناهز 98 سنة..

وبقي الراحل محط احترام وتقدير كبير من رفاقه في الكفاح من قبيل بنسعيد ايت ايدر، والحسين برادة، ومهندس تجربة حكومة التناوب عبد الرحمان اليوسفي، الذي ظل مواظبا على زيارته بمستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء إلى حين وفاته يوم الأربعاء 25 أكتوبر 2017، وشارك في جنازته ممثلون عن مختلف الأطياف السياسية والفكرية المغربية، ليخلد اسمه كأبرز أسماء المقاومة في المغرب قبل الاستقلال وبعده..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *