الأربعاء 5 أغسطس 2020

مصطفى بلهواري.. رحيل مبكر ليساري في “معركة الجوع”

ذاكرة الألم والأمل.. يساريون قضوا بالسجن أو الاختطاف والنفي

بصم اليساريون المغاربة باختلاف تنظيماتهم، على تجربة سياسية يستحيل أن يتخطى كاتب التاريخ أو قارؤه فصولها المطبوعة بلغة التضحيات الجسيمة والاعتقالات والاغتيالات والنفي والتهجير.. هي تجربة تنبعث منها رائحة الأقبية النتنة، وأصوات مفاتيح الزنازين الغليظة، وآلام البطون الفارغة، كما تنبعث منها إرادة الحياة، التي كانت تشد أغلب من عاشوها إلى كتابة “المستقبل” بقلم الأمل في الأفضل، وإلى رسم لوحة القادم بألوان تنصف قضية الإنسان المغربي.

وباختلاف هوامش نشاطهم، سواء تلك التي تستحضر الخطوط الحمراء أو تلك التي ترى بالأخضر كل الخطوط، من أقصى الراديكالية السياسية إلى أقصى الإصلاحية، ومن العمل الثوري السري والتخطيط لقلب موازين الحكم إلى النشاط العلني الهادف إلى الإصلاح، سجّل التاريخ أسماء كثيرة لمناضلين قضوا نتيجة إيمانهم بالمواقف، في زمن “الجمر والرصاص” الذي لم يؤمن إلا بلغة البقاء للأقوى..

في هذه الحلقات، وطيلة أيام شهر رمضان، ستُرجع جريدة “أمَزان24” معكم أسماء “استشهدت” في السجون، أو قضت بها سنوات طويلة لتخرج بأعطاب في الجسد والذاكرة، وأسماء أُجبرت على توديع الوطن لتراقبه من المنفى.

الحلقة الخامسة عشرة: مصطفى بلهواري.. رحيل مبكر ليساري في “معركة الجوع”

لم يكن مسارا طويلا لكنه كان حافلا، من المنزل إلى الجامعة ثم إلى مخافر التعذيب وبعدها السجن ثم القبر. انتهت مسيرة مصطفى بلهواري مبكرا بشكل لم يتصوره أحدا، لفظ آخر أنفاسه وهو يقاوم الجوع الذي اختاره طوعا بدل أن يحيى مظلوما. هكذا وضع بلهواري المعادلة؛ حياة بشرف أو موت بشرف، فكان الخيار الثاني..

بلهواري مصطفى، الاسم الذي استنفر أجهزة البوليس السياسي والمخابرات، فسار مطلوبا وهو مازال بعد في الجامعة، فُرض عليه الاختباء وحياة السرية مبكرا، بعدما لاحقته الأجهزة ليل نهار ولمدة تتجاوز ثلاث سنوات، استعملت من أجل إلقاء القبض عليه كافة الطرق، وكانت أمه وأبوه نقطة الضعف الأهم، التي من خلالها تم لي يديه ووضعت فيها الأصفاد إلى أن مات بها.

اختار بلهواري، الشاب المراكشي، أن يناضل من أجل كرامة الشعب ومن أجل العيش الكريم للجميع، من أجل أن تفتح المدرسة في وجه الجميع، وأن يستفيد الفلاح من أرضه والعامل من عرقه، فكان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الإطار الذي بدأ وانتهت فيه الرحلة في سن مبكرة.

انتمى بلهواري مبكرا لفصيل سياسي كان مغضوبا عليه، وهو ما يعرف بـ “النهج الديمقراطي القاعدي” ذي الإيديولوجية الماركسية اللينينية. وفي بداية الثمانينات كانت الدولة قد دقت الكثير من المسامير في نعش المنظمات الأم التي تبنت الإيديولوجية نفسها، فحمل ذلك الفصيل، الذي انخرط فيه مصطفى، مسؤولية استمرار “المشروع” بإمكانيات لا تتجاوز الحناجر والأقلام التي تكتب البيانات، لكن طراوة المواجهة حتمت على الدولة أن لا تستهين بهؤلاء الصغار الذين سيكبرون.

مصطفى بلهواري الذي بقي رمزا مستعصيا على النسيان عند هؤلاء الذين عاشوا إلى جانبه المرحلة، جاء في مرحلة كانت توصف ببداية النكوص، لكن بالمقابل، كانت المرحلة شاهدة على انتفاضتين كبيرتين خرجت فيهما أطياف الشعب للتنديد بسياسة الدولة في كل المجالات، فكانت انتفاضة 1981 التي وصفها البصري مستهزئا بـ “انتفاضة الكوميرا” ثم جاء ما عرف بـ “انتفاضة مراكش”، وفي الحدثين معا كان مصطفى حاضرا بشكل أكبر من حجمه، لا كطالب، بل كقائد و”محرض” ومؤطر..

تحكي أم مصطفى المعروفة بـ “مي الباتول” أنه في يوم موته، وبسبب الصدمة التي خلفتها الفاجعة، ستلد زوجة أخيه طفلا قبل موعده، فرفض ضباط الحالة المدنية بتوجيه من الأجهزة أن يسمونه “مصطفى”، وأمام إلحاح الأسرة كانت الإجابة واضحة “لا نريد مصطفى بلهواري آخر..”.

من مراكش إلى العاصمة

داخل وسط عائلي فقير، يشتغل فيه الأب والأم في المعامل، أطلق بلهواري صرخته الأولى بمراكش سنة 1955، في المكان نفسه نال بلهواري شهادته الابتدائية بمدرسة سيدي بودشيش، التحق بعدها بثانوية محمد الخامس بالمدينة ذاتها، وحصل فيها على شهادة الباكلوريا في الموسم الدراسي 76 – 77.

تحكي أمه، أن الهم الأساس الذي كانت تحمله رفقة الأب هو أن يدرس أبناؤها وتراهم في مراتب جيدة، ولم يكن يهمها أن تكدح اليوم كله، بل كان الهدف أن لا يجد أبناؤها أنفسهم مكرهين على العمل الشاق من أجل تحصين لقمة العيش..

بعد حصوله على شهادة البكالوريا، ولج بلهواري جامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم، وهناك في زمن ما كان يعرف بـ “الحظر القانوني”، وهي مرحلة قاسية كانت الدولة تعمل فيها على منع أنشطة الطلبة بالقوة والاعتقالات والطرد وغيرها، وعند التحاقه، قرر بلهواري الانضمام إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وإلى جانب دراسته تشرب مبادئ النضال وآمن به حد النخاع.

العودة إلى المدينة الحمراء..

لم يطل مقامه كثيرا بمدينة الرباط، إذ فضل الرجوع إلى مدينته الأصل مراكش. سينتقل إلى كلية العلوم بالمدينة الحمراء، وهناك سيؤسس بلهواري إلى جانب آخرين النواة الأولى للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وبعد رفع ما سمي بـ “الحظر القانوني”، سيزداد حماس بلهواري للعمل أكثر، حيث شرع في تأطير الطلبة ودفعهم للنضال أكثر من أجل الحقوق العادلة.

تقول أمه، التي بقيت تناضل من أجل إظهار الحقيقة في وفاته ومحاسبة المتورطين، أنه منذ عودته إلى مراكش، كان لا يفكر في شيء إلا في المظلومين، وفي أوضاع الطلبة الذين يتوافدون على المدينة من الضواحي بهدف الدراسة، فكان يطلب من أمه الأكل ليقدمه لأصدقائه، وكان يقتني بمنحته الملابس من أجل الطلبة.

وبكلية العلوم مراكش، تحمل المسؤولية في التعاضدية الأولى سنة 1979 بعد المؤتمر 16 وفي سنة 1980/1981 تحمل المسؤلية ككاتب عام لتعاضدية الكلية التابعة لـ “أوطم”، وساهم بنشاط كبير في إعداد المؤتمر السابع عشر للمنظمة الطلابية، كما ساهم في انتفاضة 81 في إخراج الجماهير الغاضبة إلى الشوارع بمراكش، رفضا لسياسات الدولة..

أين مصطفى؟!

تحكي “مي الباتول”، وهي المرأة التي ستخوض نضالا مريرا من أجل ابنها مع باقي عائلات المعتقلين، أنه منذ تلك السنة (1981)، سيصير ابنها مصطفى مطلوبا من طرف أجهزة البوليس، الذين تكررت زياراتهم إلى بيت العائلة طيلة ثلاث سنوات، وفي كل مرة يقومون بتفتيش البيت كله، ويسألون عن مكانه، ويرابطون بسيارة أمام الحي، ويوقفون الشباب الذين يشتبه أنهم مصطفى. تذكر الأم أن أحد أفراد الشرطة خاطبها قائلا “هذه البطن التي أنجبت مصطفى تستحق أن تُقبر”.

بقيت الزيارات تتكرر كل حين، ويتم وفق شهادة الأم ترهيب الأسرة، كما تم اعتقال أخ مصطفى الذي كان طالبا بكلية الآداب، وبعد شوط من التعذيب الجسدي ليدلي بمكان مصطفى تم إطلاق سراحه، واستمر البحث إلى أن ألقي القبض على الأم والأب، والذين تجولت بهما سيارة الشرطة ما يقارب الثلاث ساعات لترهيبهما، قبل أن يتم إخلاء سبيلهما..

عندما علم مصطفى بلهواري بواقعة اعتقال والديه، قرر أن يسلم نفسه، حتى لا يتكرر المشهد مرة أخرى، وتم ذلك يوم 15 يناير 1984، وبعد يومين من الاعتقال في ولاية مراكش ذاق خلالها التعذيب، سيتم إرساله إلى المعتقل السري “درب مولاي الشريف”، حيث قضى زهاء شهر هناك تحت التعذيب الجسدي والنفسي، ودون أن تعلم عائلته بمكان وجوده رغم المحاولات المتكررة.

قدم مصطفى بلهواري بعد ذلك إلى المحكمة إلى جانب أزيد من أربعين معتقل، وبعد أشولط طويلة من المحاكمات ستوزع عقود السجن عليهم، وكان نصيب مصطفى 10 سنوات سجنا نافذا، نقل بعدها إلى سجن آسفي ثم سجون أخرى في وضعية من الحصار المشدد، وخاض إلى جانب مجموعة من المعتقلين إضرابا عن الطعام امتد أحدها شهرا، وكانت المطالب هي تخصيص وقت للعائلة من أجل الزيارة والسماح بدخول الجرائد والمذياع.

الرحيل المبكر..

بعد إضرابات متفرقة، وفي سجن بولمهراز بمراكش، قرر مصطفى بلهواري، خوض إضراب لا محدود عن الطعام دام 56 يوما، وفي يوم 28 غشت 1984 سيسلم مصطفى الروح إلى بارئها، بعدما كان قد سبقه رفيقه الدريدي مولاي بوبكر إلى الوفاة بالطريقة ذاتها، وهي نفسها الطريقة التي انتهت بها حياة سعيدة المنبهي وآخرين.

ستشيع بعدها جنازة مصطفى بباب دكالة بمراكش بعد إجراءات طويلة، وهي الجنازة التي سيحضرها الآلاف من شتى ربوع البلاد، والذين جاؤوا لتوديع جثمان الراحل بشعارات “ثورية”، لطالما رددها في الساحات، لكنه هذه المرة كان ممددا على نعشه ولم يجد الصوت ليردد شعاره الأخير..

تعليق واحد

  1. البوزياني احمد

    ان مصطفى الهواري كان في سنة 1984 وليس 1981 و به وجب تلتصحيح و هذا أخطأ لابجبكم الوقوع فيه اتمنى ان تضحكوا هذا ،فعلى كاتب مثل هذه المقالات مشكورا محاولة الاتصال بمصادر موثوقة و مسؤولة أو وثائق مظبوط و شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *