الحلقة 1: ابن خلدون.. رحلة العبقرية والألم

في القرن الرابع عشر الميلادي، وضع عبد الرحمن بن خلدون كتابا استثنائيا غيّر مسار الفكر الإنساني. “المقدمة” لم تكن مجرد مقدمة لكتاب تاريخ، بل أصبحت عملاً مستقلاً أسس لعلوم جديدة وأفكار ثورية سبقت عصرها بقرون.

في هذه السلسلة، نستكشف معا عبقرية ابن خلدون عبر أكثر من خمسين حلقة، نتجول فيها بين نظرياته في علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية والفلسفة. من مفهوم العصبية إلى نظرية الدولة، ومن البداوة والحضارة إلى العقد الاجتماعي، ومن الدورة الحضارية إلى التطور والعمران.

سنكتشف كيف أن أفكار هذا المفكر العربي العظيم مازالت حيّة، تنبض بالراهنية، وتقدم مفاتيح لفهم عالمنا المعاصر. رحلة فكرية في عقل سبق زمانه.

الحلقة 1: ابن خلدون.. رحلة العبقرية والألم

يُضيء اسمُه سماءَ العلم كنجمٍ ساطع، ويُثمر في حديقة المعرفة كشجرةٍ وارفة، يملأ اسمُه الدنيا ويشغل الناس، ويُرسي قواعدَ علمٍ واسعٍ لم تعرفه أوروبا إلا في القرن الثامن عشر، هو علم الاجتماع.

إنه ابن خلدون، يُقدّم للعالم مقدمته الشهيرة وتاريخه المعروف بتاريخ ابن خلدون، الذي يقع في سبعة أجزاء تشكّل المقدمةُ الجزءَ الأول منه، لكن شهرة المقدمة سبقت شهرة الكتاب وغطّت عليها، حتى لم يعد كثيرٌ من الناس يعرفون من ابن خلدون سوى المقدمة.

نسبٌ عريق من سادات العرب

ينحدر من أصولٍ عربيةٍ صافية، من أشراف أهل اليمن. يقول في رحلته عن أصوله العائلية: “ينتمي أهلُ هذا البيت، أي بيت آل خلدون، إلى إشبيلية، انتقل سلفُنا إلى تونس في أواسط المائة السابعة”.

يُرجع في رحلته شجرةَ نسبه إلى الجدّ العاشر، ثم يتوقف بسبب غياب المعلومات الكافية لديه عن المراحل السابقة، فيقول عن نفسه: “عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون”، ثم يُضيف: “لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء العشرة”.

يعود بأصله إلى عرب اليمن حيث يقول: “يرجع نسبُنا في حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حُجْر من أقيال العرب، معروفٍ وله صُحبة”. وكلمةُ “أقيال” جمع “قَيْل”، وتعني الشخص الذي تعود أصوله الاجتماعية إلى الأُسَر الملكية في اليمن القديم. أما عبارة “وله صُحبة”، فيعني بها ابن خلدون أن جدّه الأول، وائل بن حُجْر، التقى النبيَ صلى الله عليه وسلم.

ينقل ابن خلدون عن ابن عبد البَرّ من كتابه “الاستيعاب في معرفة الأصحاب”، أن وفداً من اليمن على رأسه جدُّه وائل وفَدَ على النبي صلى الله عليه وسلم، فبَسَط له النبيُ رداءَه وأجلسه عليه، ودعا له قائلاً: “اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده إلى يوم القيامة”، وبعث معه النبيُ معاويةَ بن أبي سفيان ليُعلِّمهم القرآن والإسلام.

الهجرة إلى الأندلس والمحن

دخلت أسرةُ جدّه خلدون بن عثمان إلى الأندلس، فنزلت ببلدة قرمونة، وهي بلدةٌ تقع في ضواحي مدينة إشبيلية اليوم، في منطقة الأندلس جنوب إسبانيا، ثم انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى إشبيلية.

عاش أجداد ابن خلدون الأقربون مِحَناً شديدة في الأندلس بسبب الفِتن السياسية والاجتماعية، والقلاقل التي كانت تحصل في دوائر الحكم في إشبيلية.

اضطربت الأحوال بعد استيلاء الموحدين على الأندلس وانتزاعها من يد المرابطين، وثار ابن الأحمر واستولى على إشبيلية، فخَشيَ الجدُّ الأقرب لابن خلدون على نفسه وعلى أولاده، ففرّ إلى سبتة، ثم لما سقطت سبتة في يد ابن الأحمر، فرّ إلى بجاية.

المولد والنشأة

وُلد عبد الرحمن صاحب المقدمة في تونس الزيتونة، تونس البساتين الخضراء والمروج، التي بسطت رداءها على البلاد وأعطتها من ألوانها، فصارت تونس الخضراء. جاء مولد المؤرخ الشهير في رمضان من سنة اثنين وثلاثين وسبع مائة للهجرة، الموافق لعام ألف وثلاث مائة واثنين وثلاثين للميلاد.

حفِظ القرآن في سنّ صغيرة، وتعلّم القراءات السبع، واستظهر القرآن على شيخه في إحدى وعشرين ختمة، ثم تعلّم اللغة والفقه والأصول، وانكبّ على التعلم على يد كبار الشيوخ المغاربة والأندلسيين، منهم أستاذه الشهير أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبِلي المولود بتلمسان، وقد برع في المنطق والرياضيات.

قال عنه ابن خلدون: “فلما يفَع وأدرك”، أي لما بلغ سنّ الرشد، “سبقت إلى ذهنه محبة التعاليم، فبرع فيها، واشتهر وعكف الناس عليه في تعلّمها، وهو في سن البلوغ”.

الطاعون الأسود: محنة صقلت العبقرية

لم يتلطّف الزمان بمؤرخنا، فقُدِّر له أن يعيش الآلام والأحزان، وأن يتذوّق قساوة الطبيعة والسلطان. ففي سنة تسع وأربعين وسبع مائة للهجرة، عندما بلغ السابعة عشرة من العمر، ضرَب الطاعونُ الأسود الشهير العالمَ كلَّه، وانتشر في مصر أولاً، وتفشّى في الإسكندرية، فكان طاعوناً رهيباً، حتى إن المقريزي، المؤرخ الشهير، وصفه قائلاً بأن جثث الأموات في القاهرة ونعوشهم كانت تغطّي أبواب المدينة، فيختلط بها الأحياء.

امتدّ الطاعون اللعين إلى تونس الخضراء، فجعلها أرضاً جرداء، فقد قضى على آلاف الأشخاص، كان من بينهم والدا ابن خلدون اللذان لقيا مصرعهما، وعددٌ من شيوخه الذين كان يتلقّى العلم على أيديهم، ما ضاعف معاناة المؤرخ، ودفعه إلى اتخاذ قرار اعتزال الناس والمجتمع، والتفرّغ لتحصيل العلم والتأليف.

زاد من همومه أن كثيراً من العلماء والفقهاء الذين كان قد تتلمذ عليهم، هاجروا إلى المغرب الأقصى هرباً من الجائحة، واستقرّ بعضهم في مدينة فاس، التي كانت مشهورة بجامع القرويين، فضاعف ذلك من شعور مؤرخنا بالعزلة، وحفّزه على الانطواء أكثر على نفسه.

تفرّغ لمدة أربع سنوات للبحث في شؤون الناس والمجتمع وأنظمة الحكم، وخرج بكتابه العظيم، الذي صار مَعلَمةً نفيسة في التاريخ الإنساني كله، وهو المقدمة الشهيرة. وكما يقول المثل: “رُبّ ضارّةٍ نافعة”، فكثيرةٌ هي الآلام التي تحمل معها تباشير الأمل، فلولا تلك المعاناة المريرة، لَما تمكّن العالم من التعرّف على كتاب عنوانه المقدمة.

الحياة السياسية: بين الوظائف والمحن

أراد ابن خلدون أن يحافظ على شرف أسرته، بأن يعمل عملاً شريفاً يليق بمقام جدّه ووالده. فقد شغل بعض أفراد أسرته في تونس مناصب سياسية مهمة خلال فترة حكم الحفصيين، كما شغل والده منصباً سامياً في الدولة الحفصية، قبل أن ينسحب من الحياة السياسية، ويلتحق بإحدى الطرق الصوفية، التي كانت نشطة في الأندلس.

أما أخوه يحيى خلدون، فقد اشتهر مؤرخاً، كتب كتاباً عن سلالة بني عبد الواد، الذين حكموا المغرب الأوسط، أي الجزائر حالياً، خلال القرن الثالث عشر للميلاد، لكن أحد منافسيه داخل البلاط دبّر عملية لاغتياله قصد التخلص منه.

شهدت الحياة السياسية في الغرب الإسلامي والأندلس خلال تلك المرحلة تقلّباً شديداً، فلم تكد تستقرّ أبداً على حال، بسبب الصراعات على الحكم، والخلافات بين العشائر والقبائل.

خريطة الصراع: المغرب الثلاثي

انهارت الإمبراطورية الموحدية في أوائل القرن السابع الهجري، فقامت على أنقاضها ثلاث دويلات، كان أصحابها ينتظرون سقوط نظام الموحدين ليقفزوا على السلطة: ففي المغرب الأدنى (تونس حالياً وما جاورها)، سيطر بنو حفص، وفي المغرب الأوسط (الجزائر)، سيطر بنو عبد الواد، وفي المغرب الأقصى، سيطر بنو مرين، وجعلوا عاصمتهم مدينة فاس.

أصبح الغرب الإسلامي عبارة عن مثلث، قاعدته الأولى في تونس، وقاعدته الثانية في الجزائر، ورأسه في فاس.

تميّزت دولة بني مرين بأنها كانت أكثر تلك الدول الثلاث قوة ورسوخاً، خصوصاً في عهد السلطان أبي الحسن المريني، الذي تولّى العرش عام واحد وثلاثين وسبع مائة للهجرة، فغزا صخرة جبل طارق، وانتزعها من يد النصارى بعد عامين، ثم زحف نحو الشرق، فسيطر على تلمسان وما بقي من المغرب الأوسط، الذي كان تحت حكم بني عبد الواد، ثم استولى على تونس التي كانت في حوزة الحفصيين.

بقي السلطان المريني مدة في تونس بعد غزوها، إلى أن ضرب الوباء البلاد، فرجع إلى المغرب الأقصى، ورحل معه عدد من الفقهاء والعلماء الذين درس ابن خلدون على أيديهم.

كاتب العلامة وبداية المسار السياسي

لم تستقرّ الأوضاع أبداً، إذ ما كاد السلطان المريني يصل فاس عام خمسين وسبع مائة للهجرة، حتى قامت القلاقل في تونس، إذ زحف عليها أحد أفراد أسرة بني حفص لاسترجاعها من يد بني مرين. استولى عليها الفضل ابن السلطان أبي يحيى الحفصي، وعيّن على رأس الوزارة أبا محمد بن تافراكين.

لكن الرياح تتبعها العاصفة، فما لبث الوزير ابن تافراكين أن غدر بالسلطان الجديد، فانقلب عليه، وولّى مكانه أخاً له يُدعى أبا إسحاق بن أبي يحيى، كان ما زال طفلاً صغيراً، حتى يبقى تحت سيطرته، ويتحرّك بأوامره.

تولّى ابن خلدون في عهد هذا الوزير وظيفة كاتب العلامة في بلاد السلطان الصغير، والمقصود بالعلامة، الختم أو الخاتم الذي يوضع على الوثائق الإدارية، إذ كانت مهمة من يتولّى هذه الوظيفة وضع خاتم السلطان على مراسلاته الرسمية، وكتابة البسملة بخطّ جميل في أعلى الرسائل.

لم تمضِ ثلاث سنوات على توليه تلك الوظيفة، حتى قامت الفتنة من جديد، ذلك أن أمير قسنطينة في الجزائر، حفيد أبي يحيى الحفصي، زحف على تونس لاسترجاع مُلك أجداده من يد ابن تافراكين، فنشبت معركة بين هذا الأخير وبين أتباع الحفصي.

خرج ابن خلدون في موكب الوزير ابن تافراكين، إلا أن هذا الأخير مُني بهزيمة نكراء، ففرّ ابن خلدون بجلده إلى منطقة بَسْكرة بين المغرب والجزائر، وظلّ هناك عاماً كاملاً، وهناك تزوّج.

في بلاط السلطان أبي عنان

لم يكد يستقرّ به المقام في بَسْكرة حتى حدثت حوادث غيّرت مصير ابن خلدون. في سنة سبع مائة واثنين وخمسين للهجرة، توفي السلطان المغربي أبو الحسن المريني، فخلفه ابنه أبو عنان، وقرّر هذا الأخير استرجاع الأقطار التي كان أبوه قد استولى عليها ثم انتُزعت منه، فهاجم تلمسان واستولى عليها، ثم استولى على بجاية.

علم ابن خلدون بوجود السلطان في بجاية قريباً من بسكرة فحاول الاتصال به. عرف السلطان قيمة صاحبنا فقرّبه إليه، وعيّنه عضواً في مجلسه العلمي بفاس.

تُعدّ المجالس العلمية في تاريخ المغرب مجالس عريقة كان سلاطين وملوك المغرب يقيمونها تقديراً للعلم والعلماء. ظلّت كذلك على مدى التاريخ، ثم أصبحت في عهد الملك المغفور له الحسن الثاني تُسمّى الدروس الحسنية، وما زالت كذلك إلى اليوم.

السجن والمحنة

لم يَهْنأ ابن خلدون كثيراً بوجوده في فاس، حيث تفرّغ لدراسة العلم وتدريسه في الوقت نفسه. فما كادت تمرّ فترة قصيرة حتى قلب له الزمان ظهره، وأفسد عليه أمره.

اتّهمه السلطان بالمشاركة في مؤامرة ضد حكمه، بسبب الوُشاة والحاسدين، فقبض عليه السلطان وسجنه، وكان ذلك عام ثمان وخمسين وسبع مائة للهجرة.

ظلّ ابن خلدون في السجن لمدة عامين كاملين، كان خلالهما يوجّه رسائل إلى السلطان يستعطفه فيها لكي يحرّره. وفي العام الموالي، وجّه إليه قصيدة شعرية مطوّلة، يستعطفه فيها ويشيد بأعماله وبطولاته وغزواته الحربية، قال في مطلعها:

هل غيرُ بابِك للغريب مؤمَّلُ
أو عن جنابِك للأماني مَعْدَلُ؟

ثم قال يشكو إليه ما أصابه:

مولاي، غاضت فِكرتي وتبلّدتْ
مني الطباعُ، فكلُّ شيءٍ مُشكِلُ

تسمو إلى دَرَك المعالي هِمّتي
فأُصَدُّ عن إدراكهنّ وأُعزَلُ

يقول في آخر القصيدة إنه لم يكذب في اعترافاته، وإن الوُشاة والمتطفّلين هم الذين كذبوا عليه وموّهوا له الحقيقة:

واللهِ ما أسرفتُ فيما قلتُه
شيئاً، ولا الإسرافُ ممّا يُجمِلُ

ولَأنتَ أرسخُ في المعارف رُتبةً
من أن يموَّه عنده متطفِّلُ

وعده السلطان بالإفراج عنه عندما يرجع إلى فاس، لأنه كان في تلمسان، ولكن السلطان عاجلته المنيّة في آخر تلك السنة، فتوفي ولم يُفرج عن ابن خلدون، وبقي هذا الأخير في السجن عاماً آخر.

الإفراج والعودة إلى الحياة العامة

توفي السلطان أبو عنان، فتولّى الحكم بعده ابنه أبو زيان، لكنّ الوزير القوي الحسن بن عمر دبّر له مكيدة، ووضع على العرش طفلاً من أبناء السلطان، اسمه السعيد بن أبي عِنان، لكي يبقى طوع يده ويفعل به ما يشاء ويريد. ما إن تولّى السعيد بن أبي عِنان السلطة حتى أفرج عن ابن خلدون، وأعاده إلى وظيفته التي كان فيها عضواً في ديوان البلاط.

بقي ابن خلدون في المغرب الأقصى، وتحديداً في مدينة فاس العامرة ثماني سنوات كاملات، يتردّد فيها بين الدراسة والتدريس والوظيفة السلطانية، ما عدا عامين قضاهما سجيناً.

في الأندلس والمهمات الدبلوماسية

اكتملت السنوات الثماني، فقصد الأندلس مرة أخرى، نظراً لما كان يربطه من علاقات طيبة مع سلطان غرناطة، أبي عبد الله ثالث ملوك بني الأحمر، ووزيره الأديب المعروف لسان الدين بن الخطيب، المُكنّى بذي الوزارتين.

كلّفه سلطان غرناطة خلال تلك المدة بمهمة سياسية، أن يلعب دوراً دبلوماسياً للمصالحة بين ملوك المغرب وملك قشتالة، المعروف ببُطرس القاسي، أو بيدرو الأول (Pedro el Cruel بالإسبانية). نجح ابن خلدون في تلك الوساطة الدبلوماسية، فكافأه السلطان بأن وهبه أرضاً قريبة من غرناطة.

لكن الوُشاة والحاسدين كانوا يتربّصون به من جديد. تدخّلوا بينه وبين الوزير لسان الدين بن الخطيب، فساءت العلاقات بينهما، فقرّر ابن خلدون الرحيل إلى بجاية، بعد ثلاث سنوات قضاها كلّها في بلاط سلطان غرناطة.

في بجاية والخبرة بثقافة البدو

استقبله في بجاية أميرها أبو عبد الله الحفصي، وولاّه الوزارة أو الحجابة، لكن الأمور لم تستقرّ على حال كما هي العادة، حيث قُتل الأمير على يد أحد أبناء عمّه سلطان قسنطينة. كلّف هذا الأخير ابن خلدون، نظراً لخبرته السياسية، بمساعدته على تطويع وتدجين قبائل رياح التي كانت متمرّدة، فنجح في المهمة، ومكّنه ذلك من التعرّف أكثر على ثقافات وعوائد البدو، وقد وظّف تلك الخبرة في كتابه المقدمة.

الاعتراف المتأخر والإرث الخالد

استطاع ابن خلدون بفكره وحصيلة مساره، أن يحيط نفسه بإجماع قلّما حظي به أبناء جيله، وهكذا جاءه الاعتراف المتأخّر من الغرب كما الشرق، ليصير اسمه خالداً كمفكّر ومؤرخ إسلامي استثنائي.

لم تأخذ مقدمته هي الأخرى شهرتها المستحقّة في عصره، والأسباب في ذلك متعدّدة، رغم أنها كتاب موسوعي وشامل اجتمع فيه ما تفرّق في غيره، جاءت تقديماً لكتاب “العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”.

تقع المقدمة في ستة أبواب، يتناول كلّ واحد منها بُعداً معرفياً وعلمياً، فهي جولة متفرّدة في دروب العلوم والطبّ والجغرافيا والتاريخ واللغة والعُمران والسياسة وغيرها، ما جعل علماء جلّ الأقطار ينكبّون على دراستها واستكشاف دروسها.

استفاد من عبقرية ابن خلدون سلاطين كثر، واستمرّت تلك الاستفادة حتى بعد وفاته. جعله العثمانيون مرجعاً أساسياً ضمن دوائر حكمهم. كما لجأ إليه الغرب لفهم طبيعة منافسيهم، ما ساعدهم في تفكيك إمبراطورية الرجل المريض. استفاد من أفكاره سياسيون كبار من مختلف المشارب، كما استنار بأفكاره كبار الكتّاب من شتّى حقول المعرفة الإنسانية.

حياة من المحن صقلت العبقرية

عاش ابن خلدون حياة لم تكن أحداثها هادئة ولم تعرف الاستقرار إلا نادراً، كان لها عظيم الأثر في صقل شخصيته، فتصلّب عوده وتقوّم فكره بفعل المحن التي رافقته أينما حلّ وارتحل. وكغيره من السابقين لعصرهم لم ينل إلا قدراً يسيراً من الاعتراف إبان حياته، بل إن تميّزه بين أبناء جيله كان سبباً في المتاعب التي تعرّض لها. شكّلت الأحداث التي مرّ بها والمرحلة التاريخية التي عاصرها، خلفية ثقافية وسياسية واجتماعية أثّرت في إبداعه العلمي.

الفصل الأخير: مصر والقضاء

تعب صاحبنا وتقدّم في السنّ، فقرّر أن يعتزل السياسة، وتوجّه إلى مصر، وقرّر أن يعيش في أرض الكنانة. أكرمه سلطان مصر الظاهر برقوق، فعاش هناك ربع قرن، وتولّى فيها قضاء المالكية بوصفه فقيهاً وخريجاً من جامعة الزيتونة العريقة. يصف ابن خلدون القاهرة بـ”حاضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم.. وإيوان الإسلام وكرسي المُلك”.

يتحدّث ابن خلدون عن عمله كقاض قائلاً: “…فقمتُ بما دُفع إليّ من ذلك المقام المحمود، ووفّيت جُهدي بما ائتمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحقّ لومة لائم، ولا يزيغني عنه جاهٌ ولا سطوة، مُسوّياً في ذلك بين الخصمين، آخذُ بحقّ الضعيف من الحَكَمين، مُعرضاً عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحاً إلى التثبّت في سماع البيّنات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمّل الشهادات، فقد كان البارّ منهم مختلطاً بالفاجر، والطيّب ملتبساً بالخبيث، والحكّام ممسكون عن انتقادهم، متجاوزون عمّا يظهرون عليه من بيّناتهم، لما يموّهون به من الاعتصام بأهل الشوكة”…

جلب بيانه لفساد القضاء في ذلك العصر كثيراً من الأحقاد عليه، ما تسبّب في اضطراب علاقته بالدولة. ترافق ذلك مع فاجعة غرق أسرته كاملة في عرض البحر خلال رحلة الالتحاق به في مصر، ما ضاعف آلامه وأحزانه، فطلب من السلطان إعفاءه من القضاء، ليتفرّغ أخيراً إلى عزلته وزهده، إلى أن وافته المنيّة عام ألف وأربع مائة وستّ للميلاد، وعمره أربع وسبعون سنة، ودُفن بالقاهرة.

قد يعجبك أيضا
اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.