الحلقة 2: المقدمة.. من مدخل لكتاب إلى عمل خالد

في القرن الرابع عشر الميلادي، وضع عبد الرحمن بن خلدون كتابا استثنائيا غيّر مسار الفكر الإنساني. “المقدمة” لم تكن مجرد مقدمة لكتاب تاريخ، بل أصبحت عملاً مستقلاً أسس لعلوم جديدة وأفكار ثورية سبقت عصرها بقرون.

في هذه السلسلة، نستكشف معا عبقرية ابن خلدون عبر أكثر من خمسين حلقة، نتجول فيها بين نظرياته في علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية والفلسفة. من مفهوم العصبية إلى نظرية الدولة، ومن البداوة والحضارة إلى العقد الاجتماعي، ومن الدورة الحضارية إلى التطور والعمران.

سنكتشف كيف أن أفكار هذا المفكر العربي العظيم مازالت حيّة، تنبض بالراهنية، وتقدم مفاتيح لفهم عالمنا المعاصر. رحلة فكرية في عقل سبق زمانه.

الحلقة 2: المقدمة.. من مدخل لكتاب إلى عمل خالد

يُشكّل كتاب المقدمة الشهير للعلامة عبد الرحمن ابن خلدون في الواقع الجزء الأول من تاريخه الكبير، الذي يتكون من سبعة مجلدات، ويحمل عنوان “العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، ويُعرف اختصاراً تحت اسم “كتاب العِبَر”.

لكن المقدمة، أي المدخل النظري للكتاب، نالت شهرة واسعة في العالم كله، وأصبحت الجزء الذي تُرجم كثيراً إلى مختلف اللغات، حتى إن هذا الجزء صار يُعرف باسم “المقدمة”، في معزل تام عن الكتاب الذي هو “كتاب العِبَر”.

يُمكننا أن نقول بأن ابن خلدون الوحيد في التاريخ الذي اشتهرت مقدمة كتابه، إذ لا يوجد كتاب آخر غيره اشتهرت مقدمته، حتى غلبت المقدمة على جميع أجزائه الأخرى.

ولادة المقدمة في عزلة القلعة

ألّف ابن خلدون كتاب المقدمة سنة 1377 ميلادية (779 هجرية)، وهو في الخامسة والأربعين من العمر، عندما كان يعيش معزولاً في قلعة ابن سلامة، في مدة لا تتجاوز خمسة أشهر تقريباً، وهي مدة قياسية لكتابة كتاب ضخم وغني مثل هذه المقدمة الشهيرة التي بقيت خالدة في سجل التاريخ العربي والعالمي.

تقع قلعة ابن سلامة في مرتفعات الأطلس التلّي، جنوب غربي العاصمة الجزائرية. وفي هذه القلعة توجد ثلاث مغارات صارت تُعرف منذ القرن الرابع عشر الميلادي بمغارات ابن خلدون، أو خلوة ابن خلدون، كما يحلو لبعض المهتمين بتاريخ ابن خلدون وحياته تسميتها.

أليس غريباً أن يلجأ ابن خلدون، وهو الذي عاش وتنقّل بين أهم الحواضر المغربية والأندلسية، إلى هذه المغارات المعزولة ليدوّن داخلها أحد أعظم الكتب التي عرفتها الإنسانية؟ ذلك هو السؤال الغريب، إذ قد يتساءل المرء كيف وُلدت في هذه المغارات أعظم أطروحة في علم الاجتماع الخلدوني قبل عدة قرون.

شهادة ابن خلدون على عمله

أقام ابن خلدون في قلعة ابن سلامة قرابة أربعة أعوام، وهو نفسه يتحدّث عن تلك المرحلة في رحلته فيقول عن كتابته للمقدمة:

“أتممت هذا الجزء بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب، في مدة خمسة أشهر، آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة، ثم نقّحته بعد ذلك وهذّبته، وألحقت به تواريخ الأمم، كما ذكرت في أوله، وشرحته”.

يبدو أن ابن خلدون بدّل وغيّر في المقدمة قبل أن تصبح على الشكل الذي نعرفها به اليوم، وذلك باعترافه هو في هذه الفقرة التي ذكرناها من رحلته. وقد أوضح الدكتور علي عبد الواحد وافي الذي حقّق المقدمة التي نُشرت في ثلاثة مجلدات، أسباب هذه التغييرات.

فعندما كان ابن خلدون في قلعة ابن سلامة معزولاً عن العالم، لم تكن معه كتبه ومؤلفاته لكي يرجع إليها ويتأكد من بعض التواريخ والمعلومات، فكان يكتب من ذاكرته ومما حفظه، لذلك عندما رجع إلى تونس قام بتهذيب ما كتبه في القلعة، وأدخل تعديلات على أوراقه.

تقسيم كتاب العِبَر

قسّم ابن خلدون كتابه العِبَر إلى مقدمة وثلاثة أقسام. أما المقدمة، التي هي موضوعنا، فقد خصّصها ابن خلدون للحديث المفصّل عن أهمية وفضل علم التاريخ، وتحقيق مذاهب هذا العلم، مع الإشارة إلى الأخطاء التي يقع فيها المؤرخون في عصره أو قبل عصره الذي عاش فيه.

ذكر بعض أسباب ومظاهر تلك الأخطاء التي تحصل في الكتابة التاريخية التقليدية. ويمكن ردّ تلك الأسباب بحسب العلامة ابن خلدون إلى ما يلي:

أسباب أخطاء المؤرخين: منهج ابن خلدون النقدي

أولاً: التعصّب أو التشيّع للآراء والمذاهب

قال ابن خلدون: “فالنفسُ إنْ كانت على حالةٍ من الاعتدال في قَبول الأخبار، أعطتْها حقَّها من التمحيص والنظر؛ حتى تتبيّن صِدْقَها من كذبها، وأمّا إذا خامرها تشيّعٌ لرأيٍ أو نِحْلة، قبِلتْ ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة، وكان ذلك الميل والتشيّع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله”.

ثم قال: “وما دام التشيّع للآراء والمذاهب يفعل بالمؤرّخ هذا، فيجب عليه التخلّص والتجرّد منه، ولا يجعل للهوى سلطاناً عليه، فيتّصف بالحَيْدة والموضوعيّة والتجرّد، ويكون الحقّ رائداً له أينما كان”.

ثانياً: كثرة الثقة بالناقلين

رأى ابن خلدون ضرورة تحرّي الدقّة فيمَن ينقل عنه المؤرّخ، على الطريقة التي اتّبعها المحدّثون في قبول المرويّات من الأحاديث النبوية، فإنْ كان المنقول عنه صادقاً أميناً، قُبِل خبرُه، وإلّا رُدّ الخبر.

ينصح المؤرّخين ألّا يستخدموا هذه القواعد الحديثيّة حتى يعلموا أنّ ذلك الخبر في نفسه مُمكنٌ أو مُمتنِعٌ. أمّا إنْ كان مُستحيلاً، فلا فائدة للنظر في قواعد المحدّثين.

ثالثاً: عدم الاهتمام بأهداف الأحداث

قال ابن خلدون: “فكثيرٌ من الأخباريّين لا يعرف القصد بما عاين أو سمِع، ويَنقل الخبر على ما في ظنّه أو تخمينه، فيقع في الكذب والخطأ؛ ولذا يجب على المؤرّخ أن يكون بصيراً بأهداف الخبر الذي ينقله، قديراً على تفسيره تفسيراً واقعيّاً”.

رابعاً: الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع

يقع هذا الخطأ بسبب ما يُداخل الأحوال من التدليس والتصنّع، فينقلها المخبِر كما رآها وهي بالتصنّع على غير الحقّ في نفسه، وما ذاك إلّا لأنّ كثيراً من الأخبار لا يدلّ ظاهرُها على باطنها.

خامساً: التزلّف لأصحاب المناصب

يرى ابن خلدون أن بعض المؤرخين يريدون التقرّب إلى أصحاب السلطة أو الجاه أو المال جلباً للمنفعة، ودفعاً للمضرّة. “فتُجسَّم الحسناتُ ويُبالَغ فيها، ويُتغاضى عن السيّئات، وربما تُختلَق القِصص والأساطير؛ رفعاً لشأن ذوي التَّجِلَّة والسلطان، فينقل المؤرّخ مثل هذا، فيقع في الخطأ والغلط”، حسب قوله في المقدمة.

سادساً: الجهل بحقائق الأحوال في العمران

يقول ابن خلدون: “فكلّ حادث لا بدّ له من حقيقة تخصّه في ذاته، وفيما يَعرض له من أحوال، فإذا كان السامع عارفاً بحقائق الحوادث والأحوال في الوجود، أعانه ذلك في تمحيص الخبر، وتمييز الغثّ من السمين، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجهٍ يعرض، فمعرفة حقائق العمران هو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار، وهو سابقٌ على التمحيص بتعديل الرّواة”.

ثورة في المنهج التاريخي

مهّد ابن خلدون بهذه القواعد والأسس لنظرية علمية في كتابة التاريخ. ولا تزال هذه القواعد التي وضعها ابن خلدون سارية في أوساط المؤرخين كقواعد علمية لا يمكن للمؤرخ أن يتجاوزها وإلا صارت الكتابة التاريخية عنده نوعاً من اللهو والعبث. وهذا ما يؤكّد على مكانة ابن خلدون العلمية والمعرفية.

يُعتبر ابن خلدون بحقّ واضع المنهج التاريخيّ في صورة مميّزة عمّا كان عليه سَلَفه من المؤرّخين المسلمين، وبصورة مؤثرة على مَن جاء بعده – خاصة الغربيّين – وهو الذي نبّه الأذهان إلى عدم الوقوف عند حدود النقل، أو عدم تعارُض النقل مع العقل فحسب، بل استحثّ الآخرين أن يتوسّعوا في ذلك.

القسم الأول: في العمران البشري

يتكوّن القسم الأول من فصول متعدّدة بيّن فيها ابن خلدون “ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية يتّضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة، وتندفع بها الأوهام وتُرفع الشكوك”.

يتميّز الإنسان عن سائر الحيوانات بخواص يختصّ بها عن غيره من المخلوقات الطبيعية، فوجب البحث عن تلك الخواص أو المميّزات، وأهمّها العلوم والصنائع التي هي نتيجة العمل الفكري، والحكم الوازع والسلطان الزاجر، تبعاً للقولة المنسوبة إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز: “إن الله يَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن”.

يُضاف إلى ذلك السعي في المعاش والكدّ في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه، والعمران، وهو التساكن في مصر أو بلد، والأنس بالعشير وقضاء الحاجات، لما في طباع البشر من التعاون على تحصيل المعاشات.

أقسام القسم الأول الستة

قسّم ابن خلدون هذا القسم إلى الأقسام التالية:

  • القسم الأول: حول العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض
  • القسم الثاني: حول العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية
  • القسم الثالث: حول الدولة والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية
  • القسم الرابع: حول العمران الحضري والبلدان والأمصار
  • القسم الخامس: حول الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه
  • القسم السادس: حول العلوم واكتسابها وتعلّمها

قدّم ابن خلدون العمران البدوي على العمران الحضري لأن البادية أسبق من المدينة، وهذا نتيجة لذكائه ومعرفته الواقعية بالمجتمعات البشرية وتطوّرها.

القسم الثاني: أخبار العرب والأمم

يتكوّن القسم الثاني من أربعة أجزاء من كتاب العِبَر، وهي الأجزاء الثاني والثالث والرابع والخامس. خصّص ابن خلدون هذا الكتاب لتدوين “أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ بدء الخليقة إلى هذا العهد، وفيه من الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم المشاهير ودولهم مثل النبط والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والإفرنجة”.

جمع ابن خلدون في هذا القسم الخاص بأخبار العرب كل ما يتعلّق بأصل الخليقة وأنساب الأمم المختلفة، واعتمد في ذلك على ما كتبه المؤرخ اليوناني هيرودوت، وعلى ما ورد في كتب العهد القديم من روايات دينية وأساطير تاريخية، قد لا يكون معظمها صحيحاً.

نجد ابن خلدون يُعلن شكّه في معظم تلك الروايات، وذلك أنه انتقد في مقدّمته ذلك المنهج التاريخي الذي كان سائداً من قبل عند المؤرخين السابقين، والذي لا يمكن الاطمئنان إليه أو الوثوق به، نظراً لعدم اعتماده على الروايات الصحيحة الموثّقة، المنسجمة مع أصول المناهج العلمية في الكتابة التاريخية.

تحدّث ابن خلدون بعد ذلك عن تاريخ العرب في الجاهلية واليهود والرومان واليونان والفرس، حيث اعتمد في هذا الجزء على ما كتبه المؤرخ ابن العميد. ثم بدأ بعد ذلك في تسجيل التاريخ الإسلامي الذي تحدّث فيه عن ظهور الإسلام، وحياة النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة.

استعراض التاريخ الإسلامي

استفاض في المجلد الثالث في الحديث عن تاريخ الدولة الأموية والدولة العباسية، وخصّص المجلد الرابع لدراسة تاريخ الدولة الفاطمية والقرامطة وتاريخ الأندلس، وختم هذا الجزء بالمجلد الخامس الذي خصّصه لدراسة تاريخ الترك السلاجقة وتاريخ الحروب الصليبية وتاريخ دول المماليك.

يُجمع الباحثون والدارسون لتاريخ ابن خلدون أن هذا الأخير لم يأتِ بشيء جديد فيما يتعلّق بالتاريخ الذي يتحدّث عنه في هذه الأجزاء التي ذكرناها من كتاب العِبَر، فقد اعتمد على ما سجّله المؤرخون المسلمون الذين سبقوه، والذين عاشوا الأحداث التاريخية التي رصدوها وسجّلوها في تواريخهم.

يذكر من هؤلاء الذين اعتمد عليهم ابن خلدون: ابن هشام والواقدي والبلاذري وابن عبد الحكم والطبري والمسعودي وابن الأثير.

يقول ابن خلدون نفسه بأنه لم يكن ينوي أن يكتب شيئاً عن تاريخ المشرق الإسلامي وأحواله، لأنه بعيد عنه، ولأن الأخبار المتوفّرة لديه عنه لا تساعده فيما يريده، وأن المسعودي المؤرخ صاحب كتاب “مروج الذهب ومعادن الجوهر” قد استوفى ذلك نظراً لبُعد رحلته وتقلّبه في البلاد، لذلك أراد ابن خلدون أن يتصدّى لما لم يهتمّ به المسعودي أكثر أو قصّر فيه، وهو ما يتعلّق بتاريخ المغرب.

القسم الثالث: تاريخ المغرب والبربر

يشمل القسم الثالث من كتاب العِبَر المجلد السادس والمجلد السابع، ويظهر من كلام ابن خلدون أن هذا هو القسم الأهمّ الذي يريد التوسّع فيه، والإحاطة بأحداثه، وقد خصّصه لدراسة أحوال البربر ومواليهم من زناتة وغيرها من القبائل.

قال في هذا القسم: “وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي أما صريحاً أو مندرجاً في أخباره، وتلويحاً لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه، وأن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه”.

يؤكّد المؤرخون أن ابن خلدون في هذا القسم الخاص بتاريخ المغرب وذكر أممه ودوله وتاريخ البربر وأجيالهم استطاع أن يضيف إلى ما كتبه المؤرخون السابقون معلومات جديدة، لم تكن معروفة من قبل، وبخاصة فيما يتعلّق بتاريخ البربر قبل الفتح الإسلامي.

اهتمام أوروبي خاص

يجب أن نشير هنا إلى أن هذا القسم اهتمّ به الأوروبيون كثيراً، خاصة الفرنسيون، حيث عُزل عن باقي الأقسام الأخرى التي يتكوّن منها كتاب العِبَر، وتُرجم إلى اللغات الأوروبية تحت عناوين مختلفة مثل “تاريخ المغرب” أو “تاريخ البربر” أو “تاريخ ابن خلدون”، وذلك نظراً لاهتمام هؤلاء الأوروبيين بمعرفة منطقة شمال إفريقيا التي كانوا يريدون احتلالها.

لا شكّ أن كتاب العِبَر يُعتبر من أهمّ الكتب التي يمكن الاعتماد عليها في مجال معرفة تاريخ البربر وحضارتهم وقبائلهم. وذلك لأن ابن خلدون كان متمكّناً من مادّته العلمية، محيطاً بتاريخه المحلّي، مستوفياً كامل معلوماته، متحرّياً الروايات الصحيحة. لذلك كان من الطبيعي أن يعتمد عليه المؤرخون الأوروبيون المعاصرون في معرفة تاريخ القبائل في المغرب، ويجعلوه مرجعاً رئيسياً في دراساتهم وأبحاثهم.

إعجاب ابن خلدون بالبربر

يُلاحظ على ابن خلدون في هذا الجزء من كتاب العِبَر، أنه كان معجباً بالبربر محبّاً لهم، حيث أشاد بخصالهم وأخلاقهم وتقاليدهم الأصيلة، واعتبرهم أهل شجاعة ونجدة ونخوة وشرف ورفعة، وكرم ووفاء.

يقول المؤرخ الدكتور محمد عبد الله عنان معلّقاً على هذه القضية: “والواقع أن القسم الخاص بتاريخ البربر من كتاب العِبَر هو بعد المقدمة أنفس أقسامه، وأوفرها طرافة، وأقواها عرضاً وتحقيقاً، وفيه من الروايات والحقائق الغريبة عن أحوال تلك الأمم والقبائل البربرية ما لم يوفَّق إليه أي مؤرخ قبل ابن خلدون أو بعده. ولا غَرْو، فإن ابن خلدون بطبيعة نشأته وحياته، وتقلّبه في خدمة الدول والقصور البربرية، ودرسه لأحوالها دراسة المطّلع، رجُل هذا الموضوع وأقدر من يتناوله”.

يُضيف الدكتور محمد فاروق النبهان تعليقاً على هذا الأمر: “من المؤكّد أن كتاب العِبَر، بما اشتمل عليه من مقدمة تاريخية، ومقدمة عامة عن العمران البشري، وموسوعة تاريخية استوعبت تاريخ البشرية، من بدء الخليقة إلى السنوات الأخيرة من حياة ابن خلدون، يُعتبر من الكتب الجديرة بالدراسة والاهتمام، والتي تؤكّد عبقرية ابن خلدون ورؤيته الحضارية وطاقته الإبداعية”.

المقدمة والعِبَر: نظرية وتطبيق

نفهم من خلال هذه الإطلالة قيمة المقدمة جيداً، لأننا لا يمكن أن نفهم أهميّتها العلمية إلا بوضعها في السياق العام لكتاب العِبَر ككتاب تاريخ.

أراد ابن خلدون من كتاب المقدمة أن يكون مدخلاً عامّاً وشاملاً لما سيأتي في المجلدات الستّ الأخرى من كتاب العِبَر، بحيث مهّد في المقدمة لنظرياته في الكتابة التاريخية، وفي الواقع الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية عامة، والعمران البشري، والدولة، ثم نشأة العلوم والمعارف في الإسلام، وأنواع الفنون والصناعات، والحرب والسلم، والعلاقات بين الأمم والشعوب، وغير ذلك من القضايا التي ترتبط بالمجتمعات الإنسانية وتطوّرها.

تُمثّل المقدمة إذن القسم النظري العلمي لكتاب العِبَر، فيما يُمثّل العِبَر القسم العملي التطبيقي في الكتابة التاريخية عند ابن خلدون.

التعديلات والنسخ المختلفة

عاد ابن خلدون، كما سبق القول، من قلعة ابن سلامة التي قضى بها حوالي أربعة أعوام، إلى تونس حيث أهدى مقدّمته إلى السلطان أبي العباس سلطان تونس الذي عاش ابن خلدون في ضيافته سنوات. أدخل تعديلات وتغييرات على كتابه، وأهداه إلى السلطان المذكور، حيث قال في ذلك:

“وقد كلّفني (وهو يعني هنا السلطان أبا العباس) بالانكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوّفه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل، فأكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل إلينا منها، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته”.

أدخل خلال إقامته في مصر تعديلات جديدة على النسخة التونسية من كتابه، حيث أضاف فصولاً جديدة إلى المقدمة، وكتب منها نسختين: النسخة الأولى أهداها إلى سلطان مصر الظاهر برقوق فيما بين سنتي 784 و791 للهجرة، وهذه النسخة سمّاها بكتاب الظاهري.

ثم أرسل نسخة ثالثة إلى السلطان أبي فارس عبد العزيز سلطان المغرب الأقصى سنة 799 للهجرة، لكي تُحفظ في خزانة الكتب بجامع القرويين بفاس، وقفاً على طلبة العلم بها.

أول طبعتين للمقدمة

ظهرت أول طبعتين لمقدمة ابن خلدون في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حوالي 1857 و1858 للميلاد.

طُبعت الطبعة الأولى في باريس على يد المستشرق الفرنسي “كاترمير” في ثلاثة مجلدات، واعتمد في تلك الطبعة على أربعة نسخ خطية، ثلاث منها محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، والأخرى في المكتبة العامة في ميونيخ.

أما الطبعة المصرية التي ظهرت في نفس العام فقد أشرف عليها الشيخ نصر الهوريني، واعتمد فيها على النسخة الفارسية المهداة إلى السلطان أبي فارس المريني سلطان المغرب.

قد يعجبك أيضا
اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.