الحلقة 3: وصول مقدمة ابن خلدون إلى أوروبا
في القرن الرابع عشر الميلادي، وضع عبد الرحمن بن خلدون كتابا استثنائيا غيّر مسار الفكر الإنساني. “المقدمة” لم تكن مجرد مقدمة لكتاب تاريخ، بل أصبحت عملاً مستقلاً أسس لعلوم جديدة وأفكار ثورية سبقت عصرها بقرون.
في هذه السلسلة، نستكشف معا عبقرية ابن خلدون عبر أكثر من خمسين حلقة، نتجول فيها بين نظرياته في علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية والفلسفة. من مفهوم العصبية إلى نظرية الدولة، ومن البداوة والحضارة إلى العقد الاجتماعي، ومن الدورة الحضارية إلى التطور والعمران.
سنكتشف كيف أن أفكار هذا المفكر العربي العظيم مازالت حيّة، تنبض بالراهنية، وتقدم مفاتيح لفهم عالمنا المعاصر. رحلة فكرية في عقل سبق زمانه.
الحلقة 3: وصول مقدمة ابن خلدون إلى أوروبا
تعرّف الأوروبيون على العلامة عبد الرحمن ابن خلدون وتاريخه المعروف بكتاب العِبَر، وخاصة المقدمة الشهيرة، في وقت مبكر، وذلك في النصف الثاني من القرن السابع عشر.
تكمن المفارقة العجيبة في أن ابن خلدون قد طواه النسيان في عالمنا العربي الإسلامي لمدة تجاوزت خمسة قرون، فكان علماء الغرب هم أول من اكتشفه وذلك في نهاية القرن السابع عشر 1697، على يد المستشرق الفرنسي “بارت دربلو” الذي يُعدّ أول من كتب مقالاً عن ابن خلدون في العصر الحديث، وذلك في كتابه (المكتبة الشرقية Bibliothèque Orientale)، كما نشر فيه مقتطفات من المقدمة.
على الرغم من أن المقال كان كثير الأخطاء، إلا أن مجرّد التفات ذلك المستشرق لابن خلدون الذي كان قد غرق في بحر النسيان يُعدّ أمراً يستحق التقدير.
فون هامر: المكتشف الحقيقي
يرجع الفضل الأكبر في إبراز أهمية ابن خلدون، وأهمية المقدمة، إلى المستشرق النمساوي فون هامر. نشر هامر في عام 1813 رسالة بالألمانية أشاد فيها بابن خلدون وبأبحاثه في المقدمة، ثم نشر مقالاً في المجلة الآسيوية عام 1822 تحدّث فيه عن أصالة بحوث المقدمة وعمق تفكير ابن خلدون وأشار إلى ضرورة ترجمة المقدمة.
يلفت النظر أن مجلة علمية فرنسية، كبيرة جداً آنذاك، هي “المجلة الآسيوية” التي أشرنا إليها، نشرت وحدها، خلال الفترة بين 1822 و1830، أكثر من عشر دراسات عن فكر ابن خلدون. كما وجدنا في أحد أعدادها، للعام 1823، إعلاناً بأن الترجمة الكاملة للمقدمة، توشك أن تصدر.
يدلّ هذا، إن دلّ على شيء، على الأهمية الفائقة التي كانت تتمتّع بها مقدمة ابن خلدون في الأوساط العلمية والأكاديمية الأوروبية في بدايات القرن التاسع عشر، الذي شهد عصر النهضة والانبعاث الأوروبي.
موجة الاهتمام الاستشراقي
نشر المستشرق الألماني “شولتز” في عام 1825 مقالاً عن ابن خلدون تناول فيه بحوثه وأظهر أهميتها، ونادى بضرورة ترجمتها ونشرها كاملة. وفي عام 1832م نشر المستشرق دي همز مقالاً تحت عنوان “تقرير عن المؤلف التاريخي الضخم للفيلسوف الإفريقي ابن خلدون”، نبّه فيه إلى ضرورة دراسة هذا المفكر الذي لم ينل بعد حظّه من الاهتمام.
تقول الباحثة زينب الخضيري: “وبعد أن أصبحت المقدمة في متناول أيدي علماء الغرب تغيّرت كثير من الآراء التي كانت سائدة لديهم فيما يتعلّق بنشأة العلوم الاجتماعية، فاكتشفوا مثلاً أن الإيطالي (فيكو) لم يكن أول من بحث في فلسفة التاريخ، بل كان ابن خلدون أول من فعل ذلك، كما اكتشفوا أن أوجست كونت ليس أول من أنشأ علم الاجتماع، إنما سبقه إلى ذلك ابن خلدون بأربعة قرون”.
سلفستر دو ساسي: شيخ المستشرقين
لعلّ أول من لفت أنظار الباحثين والعلماء الأوروبيين والغربيين والأوساط الأكاديمية والاستشراقية إلى أهمية ابن خلدون ومقدمته بشكل دقيق هو المستشرق الفرنسي سلفستر دو ساسي، المعروف بلقب “شيخ المستشرقين الفرنسيين”، فهو أول من عرّف بابن خلدون ومقدمته، في وقت لم يكن أحد يعرفه في الشرق والغرب على السواء.
كان دو ساسي مستشرقاً فرنسياً لامعاً لديه اطّلاع واسع عريض على الآداب واللغات الشرقية وعلوم الشرق الإسلامي. يعود إليه الفضل في تأسيس مدرسة اللغات الشرقية بباريس والتي ترأسها هو نفسه، وتحلّق حوله المستشرقون الألمان، بعد الثورة الفرنسية عام 1795 لمنافسة المؤسسات الجامعية البريطانية العريقة في الصراع على الشرق من خلال إنتاج خبراء بلغاته وشعوبه وتاريخه وجغرافيته.
كان المستعرب سلفستر دي ساسي متضلّعاً في اللغة العربية وأول من نادى بتعلّمها بل ووجوب تعلّمها بالنسبة للمستشرقين. ترجم عدداً من الكتب التراثية إلى الفرنسية منها: فريد الدين العطار، وأحمد بن علي المقريزي، ومقامات الحريري، وحياة المتصوفة، وكليلة ودمنة.
قام بترجمة الإنجيل إلى السريانية والعربية، وترجمة كتاب “حياة الحيوان الكبرى” وهو أشهر مؤلفات كمال الدين الدميري، إلى اللغة الفرنسية. واصل شيخ المستشرقين الفرنسيين دراساته، فنشر أول دراسة حول مقدمة ابن خلدون في عام 1806.
نبّه إلى أهمية العلم الجديد الذي ابتكره ابن خلدون وهو علم الاجتماع أو علم الشعوب، وترجم منها فصلين، ونشرهما لأول مرة. وهو من بين المستشرقين القلائل الذين ترجموا شعر أبي بصير، والأعشى بن قيس، وأوفاه حقّه في الجمع والشرح.
إتيان كواتريمير: محقق الطبعة الأولى
ظهرت أول طبعة كاملة لمقدمة ابن خلدون في أوروبا وهي طبعة باريس التي نُشرت عام 1858 ميلادية، تحت إشراف المستشرق الفرنسي “إتيان كواتريمير”، المتوفى عام 1857، ما يعني أنه توفي قبل عام واحد من صدور المقدمة لكي يراها.
لا بدّ من إلقاء الضوء على هذه الشخصية الهامة في الاستشراق الفرنسي، التي يعود إليها الفضل في تعريف العالم الأوروبي بعلامتنا ابن خلدون ومقدمته، بل يعود إليها الفضل في التعريف بمخطوطات عربية هامة في تلك الفترة التي عاش فيها.
يقول العلامة اللبناني خير الدين الزركلي، في كتابه الموسوعي “الأعلام” الذي خصّصه للتعريف بعدد كبير من العلماء والفلاسفة والأدباء في الشرق والغرب، إن المستشرق الفرنسي “إتيان كواتريمير” وُلد وتوفي في باريس، وهو ينتمي إلى أسرة ظهر فيها أدباء وعلماء. تلقّى العلوم الشرقية عن المستشرق الفرنسي المعروف “أنطوان دو ساسي”، الذي يلقّبه الباحثون بـ”شيخ المستشرقين الفرنسيين”.
التحق كواتريمير بقسم المخطوطات بالمكتبة الأهلية بباريس، ثم عُيّن أستاذاً للآداب اليونانية في (الكوليج دو فرانس)، فأستاذاً للغة الفارسية في مدرسة اللغات الشرقية.
ترجم عن العربية إلى لغته الفرنسية شطراً من كتاب (السلوك لمعرفة الدول والملوك) للمقريزي، و(مقامات الحريري) وغيرهما. نشر بالعربية (منتخبات من أمثال الميداني) ومن كتاب (الروضتين) لأبي شامة.
له بالفرنسية مجلدان عن اللغة العربية وآدابها وجغرافيتها، ومقالات وبحوث عن جغرافيي العرب ومؤرخيهم وعادات أهل البادية نشرها في إحدى المجلات الفرنسية المتخصصة في علوم الشرق، كانت تُسمى المجلة الآسيوية.
يبدو أن كواتريمير كان مغرماً باللغات والآداب الشرقية وخصوصاً اللغة العربية وعلومها، ولذلك ما إن عثر على مخطوط مقدمة ابن خلدون وهو مقيم في مصر حتى أثارت إعجابه وعكف على دراستها ورقة ورقة لإخراجها في طبعة لائقة يمكن الاطّلاع عليها وقراءتها.
مصادفة تجمع مصر وفرنسا
ظهرت الطبعة الفرنسية لكتاب المقدمة كما سبق القول عام 1858، بعد وفاة صاحبها كواتريمير بسنة واحدة، وذلك في ثلاثة مجلدات.
يثير الأمر الغرابة أن تلك الطبعة صدرت في نفس الفترة التي صدرت فيها أول طبعة عربية للمقدمة في مصر، أشرف عليها الكاتب المصري الشيخ نصر الهوريني، عام 1858 أيضاً.
أخذ الشيخ الهوريني هذه النسخة المصرية عن النسخة المسماة النسخة الفارسية، نسبة إلى أبي فارس المريني سلطان المغرب، الذي كان ابن خلدون قد أهداه إياها. ويا لها من مصادفة عجيبة أن يجمع ابن خلدون بين مصر وفرنسا في مقدمته، بحيث تصدر في نفس الفترة الزمنية واحدة في الشرق والأخرى في أوروبا.
يوضح الدكتور علي عبد الواحد وافي محقّق المقدمة الخلدونية، أن الطبعة الباريسية اعتمد فيها المستشرق الفرنسي كواتريمير على أربع نسخ خطية من المقدمة، ثلاث نسخ منها كانت محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، والرابعة كانت موجودة في المكتبة العامة في ميونيخ.
صحّح كواتريمير هذه النسخ من خلال مقارنة بعضها ببعض وسدّ النواقص والثغرات التي شابتها، وإكمال بعضها ببعض. غير أن الطبعة الفرنسية تختلف عن الطبعة المصرية للشيخ الهوريني بكونها لا تضمّ أي إشارة من ابن خلدون إلى الإهداء، كما هو الأمر بالنسبة للنسخة المصرية التي تتضمن الإشارة إلى السلطان أبي فارس المريني سلطان المغرب الأقصى، حيث يوجد بها إهداء بخطّ ابن خلدون نفسه.
إبهار متواصل للعقل الأوروبي
منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين انتشرت مقدمة ابن خلدون في أوروبا، لا ينقطع الاهتمام بها أبداً بين الباحثين والعلماء والمستشرقين. فقد أبهرت المقدمة الأوروبيين وأثارت اهتمامهم بشكل لا نظير له.
زاد من هذا الاهتمام الكبير لدى الأوروبيين بالمقدمة، أنها تتضمّن أفكاراً جديدة جاء بها ابن خلدون في شتى العلوم: في الاجتماع والسياسة والفن والتاريخ والطبيعة والعلوم الحقة والاقتصاد والتجارة والعلاقات الدولية، فهي كتاب موسوعي.
ركّز بعض الباحثين الأوروبيين مثل “دو سلان” على الجوانب الاقتصادية في مقدمة ابن خلدون، فركّز على دور العامل الاقتصادي عند ابن خلدون، ومسيرة حياته الاجتماعية، علاوة على معالجته لموضوع حب البقاء، لكنه أغفل شرح دور العصبية في ذلك.
أبدى هذا الأستاذ الجامعي إعجابه الكبير بابن خلدون، لكنه لم يستوعب عمق فكره وخصائصه ومقاصده، وهذه هي المشكلة التي نجدها عند أقلية من العلماء الغربيين الذين لم يدركوا مفهوم العصبية القبلية التي ترتبط بالفضاءين الزماني والمكاني للذهنية العربية.
راج اسم ابن خلدون في أكبر الجامعات الغربية التي تهتمّ بمجالي علم الاجتماع والفلسفة، كما شاع منهجه في جامعات أوروبية أخرى في إسبانيا، وفرنسا، وإنكلترا، وألمانيا، واليونان، وما زالت النقاشات والأطروحات حوله متواصلة لحدّ اليوم.
شهادات المؤرخين العالميين
يصف الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت، ابن خلدون بـ”فيلسوف التاريخ الأفريقي”، كما يرى أن المقدمة تُعدّ من حيث الزمن أول كتاب يُؤلَّف في مجال فلسفة التاريخ.
يتعرّض المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، لفكر ابن خلدون بشيء من المدح والإعجاب، كما يرسم بعض سماته الشخصية ونبوغه العلمي، فيذكر أنه يجسّد آخر نجوم المؤرخين، وقد عدّ المقدمة إنجازاً علمياً عظيماً استفاد منه العلماء الغربيون كثيراً.
تأثّر توينبي بنظرية ابن خلدون حول الدورة التاريخية، والمفهوم العلمي للتاريخ. وقد قال عن العلامة صاحب المقدمة: “إن ابن خلدون كان نقطة الضوء الوحيدة في ذلك الأفق، وبلا ريب هو الشخص البارز في تاريخ الحضارة”.
تحدّث توينبي عن ابن خلدون في مواضع كثيرة من كتابه “دراسة للتاريخ”، وأفرد في المجلد الثالث سبع صفحات كاملة، وفي المجلد العاشر أربع صفحات، للحديث عن ابن خلدون، وهو يُقرّر أن ابن خلدون “قد تصوّر في مقدمته، ووضع فلسفة للتاريخ، هي بلا مراء أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل في أي مكان أو زمان”.
يقول عن ابن خلدون في الفقرة نفسها: “إنه لم يستلهم أحداً من السابقين، ولا يُدانيه أحد من معاصريه، بل لم يُثِرْ قبس الإلهام لدى تابعيه، مع أنه في مقدمته للتاريخ العالمي قد طوّر وصاغ فلسفة للتاريخ تُعَدّ بلا شك أعظم عمل من نوعه”.
روبرت فلنت: لا مثيل له في التاريخ
يقول المؤرخ العالمي (روبرت فلنت) عن ابن خلدون في كتابه الضخم (تاريخ فلسفة التاريخ): “إنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجب مثيلاً لابن خلدون في فلسفة التاريخ. هناك من يتفوّقون عليه كمؤرخ، حتى بين المؤلفين العرب، أما كباحث نظري في التاريخ، فليس له مثيل في أي عصر أو قطر، حتى ظهر (فيكو) بعده بأكثر من ثلاثة قرون.
لم يكن (أفلاطون) أو (أرسطو) أو (سان أوغسطين) أنداداً له، ولا يستحقّ غيرهم أن يُذكر إلى جانبه. إنه يثير الإعجاب بأصالته وفطنته، بعمق وشمول، لقد كان فريداً ووحيداً بين معاصريه في فلسفة التاريخ، كما كان (دانتي) في الشعر، و(روجر بيكون) في العلم.
جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها”.
أوزفالد شبنغلر: أفول الغرب والدورة الخلدونية
لا شك أن تأثير مقدمة ابن خلدون على الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر كان كبيراً جداً، فقد تأثّر به مؤرخون وفلاسفة كثيرون في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها.
يُذكر من المؤرخين الذين تأثّروا كثيراً بالمقدمة والنظرية الخلدونية حول الدورات الحضارية، وبداية الحضارات وأفولها ونهايتها، أوزفالد شبنغلر، الذي له كتاب شهير من ثلاثة أجزاء عنوانه “أفول الغرب”، كان قد أثار ضجة واسعة عند صدوره بين 1926 و1928.
ذكر في الكتاب أن الحضارة الغربية وصلت إلى ذروتها وأكملت دورتها الحضارية وسوف تختفي قريباً. وهذه هي النظرية الخلدونية نفسها، التي تتحدّث عن صعود الحضارات ثم أفولها وشيخوختها، واعتماداً على هذه النظرية فسّر شبنغلر الحضارة الغربية من بدايتها إلى أفولها الوشيك.
يرى شبنغلر أن جميع الحضارات الكبرى مرّت بأطوار مختلفة أشبه بفصول السنة، وهي تبدأ بالتدهور حين تهيمن النزعة العقلانية على النوازع الطبيعية، وقد حدثت هذه الصورة من التدهور في الحضارة الغربية حين استولت العقلانية على مسارها الثقافي والفلسفي بعد إحيائها في عصر التنوير مع كانط وهيغل في القرن الثامن عشر.
قدّم شبنغلر نظريته في تفسير حركة الحضارات باعتبارها ثورة كوبرنيكية في فلسفة التاريخ، فهي تنقض نموذج هيغل، الذي يعتمد الحضارة الغربية غاية ومركزاً لحركة التاريخ، وتثبت أن الحضارة الغربية -كغيرها من الحضارات التي سبقتها- تتحرّك في دورة حياة مكتملة تنتهي بتدهورها وانتفائها، ما يمثّل عودة تامة إلى نظرية الدورات الحضارية الخلدونية.
العصبية في الفكر الغربي المعاصر
ذكر الكاتب البريطاني إد ويست، في مقال نشرته مجلة الـ(سبكتاتور)، أن نظرية ابن خلدون تكشف مدى قصور النظرة الغربية المتمحورة حول الفرد، في قراءة المشهد العالمي بوجه عام منذ سقوط الشيوعية، ومنطقة الشرق الأوسط بوجه خاص.
يشير إد ويست في الوقت ذاته إلى أن نظرية “العصبية” لابن خلدون تطلّ بقوة على صورة المشهد العالمي لأن طبيعة العصبية أو “الرابطة بين الفرد والجماعة” في دولة ما تتوقّف عليها طبيعة حكومة تلك الدولة ومؤسساتها.
يُصنّف (ستيفان كلوزيو) ابن خلدون ضمن رواد فلاسفة التاريخ والاقتصاد والاجتماع، لأن نظريته عن حياة المجتمع قد جعلته من أوائل فلاسفة التاريخ، كما أن تركيزه على الدور الذي يلعبه العمل، والملكية، والأجور قد خوّله أن يصبح أحد مؤسسي علم الاقتصاد، علاوة على ريادته في اكتشاف مبادئ العدالة الاجتماعية، والاقتصاد السياسي في القرون الوسطى متجاوزاً بذلك علماء اقتصاد كثيرين مثل كارل ماركس وباكونين.
ابن خلدون في ألمانيا وأمريكا
يذكر المؤرخ (فون فيسيندونك) في بحثه المنشور بمجلة (دويتشه روندشاور) أن ابن خلدون يُعدّ بالفعل مؤرخ الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع عشر، كما يشيد هذا المؤرخ بمبادئ هذا العلّامة العربي الذي يدعو إلى التأمل الصادق الدقيق.
يرى أنه ينتصب وحيداً كمؤرخ للحضارة الإسلامية العظيمة في المشرق، ولم يعقبه أي خلف أو ينحو نحوه أي باحث، إذ إن ميوله كمفكر سياسي إفريقي تتجلّى من خلال تحليله للأحداث والوقائع المتنوّعة المشكّلة لموضوعاته التي ما زال صيتها سارياً في جلّ الديار والأمصار الغربية.
التأثير الهائل في الفكر الأمريكي
لا يجب أن ننسى التأثير الهائل لابن خلدون ومقدمته الشهيرة في الفكر الأمريكي المعاصر، فقد درس علماء الاجتماع الأمريكيون أمثال (جورج ميد) و(بارسونز) و(روبرت بارك) و(وليام أوجبرن) الجماعات العرقية التي تطرح مشكلات اجتماعية في أمريكا كالانحرافات السلوكية، والمخدرات وجنوح الأحداث والسلوكيات الشاذة، متأثرين بآراء ابن خلدون وموضوعاته التي ساعدتهم على استخدام المنهج الإحصائي والوصفي الكمّي لدراسة الحركات النسوية وحقوق المرأة.
اعتمدوا على النظريات قريبة المدى التي تعالج سلوك الفرد والجماعات الصغيرة، والأسرة، والعصابات والأنشطة الترفيهية مستخلصين من منهجه الاجتماعي عدة موازنات علمية ساهمت في التمييز بين العولمة الجديدة والقديمة، علاوة على استفادتهم من التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال السريعة والإعلام، وتأثيرها في علاقات الناس.
عالج (ناثانيل سميث) الأستاذ الباحث بجامعة (كورنيل) في أحد أعماله الصادرة عام 1930 م شخصية ابن خلدون، حيث يرى أن هذا الرجل يمثّل مؤرخاً فيلسوفاً وعالم اجتماع بارزاً، كما تطرّق هذا الباحث إلى رحلات ابن خلدون في الديار الإسبانية.
رونالد ريغن يستشهد بابن خلدون
أثار استشهاد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن عام 1983 بكلام ابن خلدون في المقدمة اهتمام الشعب الأمريكي، مما جعل الأفكار الخلدونية في الاجتماع والاقتصاد تحتلّ موقعاً بارزاً في النقاش الفكري والثقافي في الأوساط الأكاديمية الأمريكية.
ففي إحدى ليالي شتاء 1983 عندما كان رونالد ريغن يقدّم للأمريكيين سياسته الاقتصادية الجديدة التي عُرفت باسم (اقتصاديات العرض)، استشهد بمقولة ابن خلدون المعروفة “إنّ الظلم مؤذنٌ بخراب العمران”، وأردف قائلاً بأن الظلم هو جباية الضرائب الفادحة من المواطنين، لأن ذلك يصرفهم عن مضاعفة جهودهم في الإنتاج والتجارة والكسب.
ابن خلدون في الفكر الروسي
أثّرت أفكار ابن خلدون ومقدمته في الفكر الروسي الحديث. تنبهر الباحثة الروسية (سفيتلانا باتسييفا) انبهاراً شديداً بإنجاز ابن خلدون ومنهجه التاريخي والهدف منه، حيث ترى أن ابن خلدون قد جعل من التاريخ وعاءً ضخماً يستوعب حوادث العمران، وهو ما يتردّد بوضوح في بعض الاتجاهات الغربية الحديثة المتعلّقة بكتابة التاريخ.
تؤكّد هذه الباحثة أن حدس ابن خلدون قد ألهمه لتقديم تصوّر جامع للتاريخ وهداه إلى رسمه والتعبير عن ذلك بدقة مدهشة تُعدّ سابقة لعصره وإمكاناته.
درس عالم الاجتماع الروسي الشهير (لفيج جمبلوفتش) أثر الإسلام في فكر ابن خلدون وعلاقته بسماته الشخصية، الأمر الذي جعله يمنحه الريادة في علم الاجتماع متجاوزاً بذلك عدة علماء أمثال (كونت) و(فيكو).
يذكر هذا العالم أنه قبل (أوجست كونت)، بل وقبل (فيكو) الذي يعدّه الإيطاليون أول عالم اجتماع أوروبي، كان قد ظهر عالم مسلم رصين درس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن، وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة، وكتب ما ننعته اليوم بعلم الاجتماع، وهو العلامة عبد الرحمن بن خلدون.